لبنان في اختبار المحور الجديد لبنان في اختبار المحور الجديدإذا نجحت واشنطن والرياض ... قد يجد لبنان نفسه أمام فرصة استثنائية لاستقطاب استثمارات وازنةطلال عساف - الجمهوريةمنذ أواخر تموز الفائت، وعلى مدى الأسابيع التي تلت، تقاطعت سلسلة من المؤشرات التي، منفردة، قد تبدو بلا ثقل، لكنها مجتمعة ترسم تدريجاً ملامح مسار أعمق، لا تزال تفاصيله قيد الاختبار والتشكّل. في 22 تموز، وقّعت واشنطن والرياض اتفاق التعاون النووي المدني الممتد لـ30 عاماً. ترافق ذلك مع رسائل متزامنة بين الرياض وأبوظبي في 21 و22 تموز، حملت طابع تهدئة، مهّدت لا شكّ للرسالة التي بعث بها رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في 24 آب.يستحق هذا التزامن، بعد أكثر من شهر على وقوعه، قراءة متأنية تفصل بين ما تأكّد ونُفّذ فعلياً، وما لا يزال مشروطاً أو معلّقاً، وما هو استنتاج تحليلي بحت.يُعدّ الاتفاق النووي أداة لإعادة تعريف العلاقة الأميركية-السعودية على مدى العقود المقبلة. الاتفاق مُحال إلى الكونغرس لمراجعة مدتها 90 يوماً تنتهي أواخر تشرين الأول، وواجه اعتراضات علنية من نواب في الحزبين ومن مسؤولين إسرائيليين، خشية أن يفتح الباب أمام تخصيب يورانيوم داخل المملكة. وربط الرئيس دونالد ترامب الموافقة النهائية بانضمام السعودية إلى اتفاقيات إبراهام. هذا يعني أنّ الشراكة الشاملة ليست بعد معطى مكتملاً، بل ورقة تفاوضية أميركية، لا تزال الرياض تزن كلفتها السياسية والعربية قبل حسمها.بقدر ما يعكس تكثيف الاتصالات رغبة في تنسيق أوسع يتعلق بالأمن الإقليمي وتدفق الاستثمارات، بقدر ما يبقى مصير هذا التنسيق مرهوناً بمسار تفاوضي أميركي-سعودي لم يُقفل بعد.أبوظبي والرياضما يجري بين المملكة والإمارات محاولة جدّية لتحقيق اختراق في العلاقة الثنائية، بعد خلاف استمر طويلاً حول ملفات اليمن والسودان وإيران، وامتد إلى تنافس اقتصادي أعمق فرضته «رؤية 2030» السعودية.يعزّز هذا التقارب احتمال أن يفضي إلى تنسيق فعلي في ملفات أمن البحر الأحمر وسوريا ولبنان، لكنه يعني أيضاً أنّ أي قاعدة إقليمية متماسكة لمبادرة أميركية في المنطقة لا تزال في طور إعادة البناء بعد قطيعة حقيقية.إن صحّت قراءة هذه المؤشرات كمحاولة لبناء محور أميركي-خليجي، يمكن تلمّس 3 مرتكزات:- الأول، احتواء النفوذ الإيراني وتقليص دور الفاعلين غير الدولتيين، وهو ما ينعكس على ملف سلاح «حزب الله»، بقدر ما ينعكس على الحوثيين والفصائل في العراق وسوريا.- الثاني، بناء شبكة تكامل اقتصادي وأمني من الخليج إلى المشرق، عبر مسارات ملموسة، كأمن الملاحة في البحر الأحمر ومشاريع إعادة الإعمار في سوريا، علماً أنّ هذه المشاريع لا تزال في طور الإعلانات الأولية، ولم تُترجم بعد إلى صندوق أو مؤتمر رسمي.- الثالث، ربط أي دعم اقتصادي بإصلاحات سياسية وأمنية قابلة للقياس، لا بوعود عامة.لبنان: الاختبار قائميقف لبنان عند تقاطع هذه التحولات. مسار معالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة الذي أُطلق فعلياً في صيف 2025 لا يزال ناقصاً. في موازاة ذلك، خفتت الضغوط الأميركية على إسرائيل لإتمام انسحابها، وسط شكوك أميركية-إسرائيلية مشتركة في مدى جدّية التزام لبنان نزع السلاح. أما مفاوضات آلية وقف النار في روما، فموعدها المقبل في أيلول لا يزال معلّقاً.المتوفر حتى الآن لا يدعم بعد الرواية المتفائلة عن انفتاح استثماري خليجي وشيك مشروط بتنفيذ لبناني ناجز، بل يُظهر مساراً بطيئاً ومتعثراً جزئياً.إذا نجحت واشنطن والرياض في دفع هذا المسار عبر ترجمة وعود دعم الجيش بمعدات فعلية، وإحراز تقدّم ملموس في مفاوضات روما، قد يجد لبنان نفسه أمام فرصة استثنائية لاستقطاب استثمارات وازنة. أما إذا استمر النمط الحالي من التعثر الجزئي والانقسام السياسي الداخلي، فسيبقى الاهتمام الدولي محصوراً بالدعم السياسي والأمني الرمزي، من دون أن يتحول إلى استثمارات وإعادة إعمار بالزخم المطلوب.من المبكر الجزم بأنّ هذه المؤشرات تشكّل خطة متكاملة. بعضها قد يكون مرتبطاً بملفات منفصلة. لكن تزامنها يستدعي متابعة مؤشرات عملية محددة في الأشهر المقبلة:1- مآل مراجعة الكونغرس للاتفاق النووي (تنتهي أواخر تشرين الأول)، وما إذا كانت الرياض ستُقدّم فعلاً خطوات نحو اتفاقيات أبراهام.2- نتائج جولات روما المقبلة كمقياس مباشر لجدّية مسار الانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح.3- الإعلان عن مؤتمر أو صندوق فعلي لإعادة إعمار سوريا بمشاركة سعودية-إماراتية مشتركة.4- عقد قمة خليجية-أميركية رسمية تتناول أمن المشرق، أو تحديد موعد لزيارة سعودية أو خليجية رسمية إلى بيروت.يشكّل غياب هذه الخطوات في فترة معقولة، مؤشراً بحدّ ذاته إلى أنّ التزامن الحالي لم يرقَ بعد إلى خطة ممنهجة، بل لا يزال عند مستو