في توقيت لا تبدو فيه الأوضاع اللبنانية ملاءمة تماما لجذب رؤوس الأموال، تعود الإمارات إلى لبنان من بوابة الاقتصاد والاستثمار، وبوتيرة يصعب اعتبارها حركة أعمال عادية. ففي 26 أغسطس، وصل وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي إلى بيروت على رأس وفد اقتصادي. وفي اليوم التالي، وقع الزيودي ووزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين. لكن العودة الإماراتية تأتي بينما لا تزال كثير من الأسباب التي أبعدت المستثمرين عن لبنان قائمة: إصلاحات مالية ومصرفية لم تكتمل، وأزمة ودائع ومصارف لم تجد حلاً نهائياً، فيما تبقى الكهرباء والبنية التحتية والبيروقراطية من أبرز عوائق الاستثمار. وفوق ذلك، لا يزال لبنان يعيش وضعا أمنيا هشا بعد حرب تراجعت وتيرتها دون أن تنته. كما يبقى ملف سلاح حزب الله، المدرج على قوائم العقوبات الأميركية، بين أبرز القضايا غير المحسومة. ولفهم المشهد الحالي يمكن العودة سنوات قليلة إلى الوراء. ففي أكتوبر 2021، سحبت الإمارات دبلوماسييها من لبنان ومنعت مواطنيها من السفر إليه، وذلك في ذروة أزمة بين بيروت وعدد من دول الخليج. ولم يقتصر الابتعاد وقتها على الدبلوماسية، إذ أغلق رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، أحد أبرز المستثمرين الخليجيين في لبنان، فندقيه في لبنان، قبل أن يعلن في يناير 2025 إلغاء مشروعات استثمارية كانت مخططة، رابطاً قراره بغياب الأمن والاستقرار وأي أفق قريب للتحسن. ويطرح هذا السياق تساؤلات حول معنى التوقيت الحالي: فإذا كانت البيئة الاستثمارية لم تتغير بالقدر الذي يفسر هذه الاندفاعة، فما الذي حدث حتى تعود الإمارات الآن؟ رغم الطابع الاقتصادي للزيارات الأخيرة، ترى قراءات التحركات الإماراتية جزءا من مسعى يتجاوز البحث عن الفرص الاقتصادية، إلى تعزيز النفوذ السياسي في لبنان. وتربط ذلك بتراجع النفوذ الإيراني في لبنان، وبانحسار الحضور السعودي مقارنة بمراحل سابقة، رغم عودة الرياض أخيرا إلى انخراط سياسي ودبلوماسي أكبر. ووفق هذا الطرح، ترى الإمارات في المساحة التي أتاحتها هذه التحولات فرصة لبناء حضور أكبر في لبنان، يكون الاستثمار إحدى أدواته. ويستند أصحاب هذا الطرح أيضاً إلى طبيعة القطاعات التي يبرز فيها الحضور الإماراتي، فإلى جانب الصناعة والزراعة وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والخدمات وغيرها، يمتد الاهتمام أيضا إلى البنية التحتية والمرافق العامة، لا سيما الكهرباء والاتصالات والمرافئ، وهي قطاعات تمس مفاصل أساسية في الاقتصاد والدولة. لكن متحدثين لـ”الحرة” ربطوا الحضور الإماراتي باستعادة الثقة في لبنان، والتحولات السياسية التي جعلت العودة الاقتصادية ممكنة. ويضع رئيس غرفة بيروت وجبل لبنان، الوزير السابق محمد شقير، الاهتمام الإماراتي الحالي ضمن مسار بدأ قبل زيارة الوفد الاقتصادي الأخيرة، مع انتخاب جوزاف عون رئيساً للبنان وتشكيل حكومة نواف سلام، وما اتخذ من قرارات سيادية لاحقة. ويقول إن زيارة عون إلى الإمارات في أبريل 2025 شكلت انطلاقة جديدة للعلاقات بين البلدين، فأعقبها رفع حظر سفر الإماراتيين إلى لبنان، ثم زيارة الوفد الاقتصادي وانعقاد الملتقى الاقتصادي اللبناني الإماراتي، حيث نوقشت فرص التعاون وحددت أولويات الاستثمارات المشتركة. ويربط أستاذ العلوم السياسية الإماراتي عبد الخالق عبد الله توقيت الخطوات الإماراتية أيضا بالتحولات التي طرأت على لبنان، مشيرا إلى أن هناك تقديراً إماراتياً بأن لبنان جديداً قيد التشكل والتأسيس، “لبنان مختلف تماماً عن لبنان الذي كان تحت سيطرة وهيمنة إيران وحزب الله”. ويقدم رئيس مجلس العمل اللبناني في دبي والإمارات الشمالية، شارل جحا مقاربة مشابهة. ورغم اعتباره أن العودة الإماراتية “تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية عميقة”، فإنه يضع هذه الأبعاد في إطار دعم مؤسسات الدولة واستعادة العلاقات اللبنانية-الخليجية. وبعيداً عن التحليلات، تكشف الأرقام بشكل مباشر كم تستثمر الإمارات فعلياً في لبنان؟ وبحسب ما أعلنه الزيودي، بلغت التجارة غير النفطية بين البلدين 4.2 مليار دولار في 2025، بزيادة سنوية قدرها 35.6 في المئة، ما يعكس استمرار مستوى مهم من التبادل التجاري رغم سنوات الفتور. أما الاستثمار، فتكشف أرقامه دلالات مختلفة. وبحسب بيانات رسمية إماراتية، بلغ رصيد الاستثمارات الإماراتية المباشرة في لبنان بين عامي 2003 و2016، 7.8 مليار دولار. ويختصر وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمال شحادة مساحة الانقطاع، في تصريح صحفي، بالحديث عن “أكثر من عقد ونصف على غياب المستثمرين ورجال الأعمال الإماراتيين”. ورغم الحراك الحالي، لا يزال حجم الاستثمارات الإماراتية الجديدة التي ستدخل لبنان غير معروف. إلا أن زيارة أغسطس تجاوزت إعلان الن