تقوم إِجمالًا شهرة ليوناردو داڤِنْتْشي (1452-1519) على لوحته الخالدة "الموناليزا" (1516)، حتى تكاد تطغى على لوحات له أُخرى لا يقلُّ معظمها، فنًّا وأَسرارًا، عن تلك اللوحة الأَشهر.من تلك الأَعمال الأُخرى: لوحة "المرأَة والنمس الأَبيض - أَو "القاقُم" (1490). تعرَّضَت للسرقة وللخطف والغياب نحو 250 سنة، كما تعرَّضت "الموناليزا" للسرقة سنة 1911 واختفت نحو سنتين قبل أَن تعود إِلى متحف اللوفر (1913).في الحلقات الثلاث الأُوَلى من هذه الخماسية سردتُ موضوعَ اللوحة، ودخولَ داڤنتشي على قصر دوق ميلانو لرسْمها، وانتقالَ اللوحة من القصر، وكيفَ فقدَت بولونيا استقلالها وأَمسَت جزءًا من الأَمبراطورية الروسية، ونفيَ الثوارِ الروس الأَمير الشاب آدم جيرزي تشارتوريسكي بسبب ضلوعه في الثورة البولونية ضدَّ روسيا، ثم تهريب اللوحة من خطر العسكر النازي.في هذه الحلقة أُتابع مصير اللوحة وتنقُّلاتها المتتالية. الأَميرة ماريَّا أَنقذَت زوجها لا اللوحة. حيال الخطر من فقدان اللوحات الفنية، كانت ثلاث لوحات نادرة لكل من داڤنتشي ورافاييل ورامبرنت انتقلَت إِلى مقر الأُسرة في سينياڤا (بلدة في شرقي پولونيا)، حيث كانت الأَميرة إِيزابيلَّا (والدة آدم جيرزي تشارتوريسكي) احتفظت بلوحة داڤنتشي قبل نحو قرن من اندلاع ثورة نوڤمبر في پولونيا. ولكن... فيما قرَّر أُوغستين وزوجته ووالدته ماريَّا مغادرة قصر الأُسرة والهرب إِلى قرية پلكيني (جنوبي پولونيا)، أَصرَّت مدبِّرة المنزل صوفيا زْميْتْ على البقاء في سينياڤا. هذا الإصرار لا علاقة له بلوحة داڤنتشي، لأَنها لم تكن تعرف أَنها مخبَّأَة في جناح من القصر مع لوحات فنية مهمة أُخرى كانت الأُسرة جاءت بها سرًّا إِلى القصر لإِخفائها وحفظها. ولكن... بعد ثلاثة أَيام من إِقامة الجنود النازيين مخيَّمًا في محيط القصر، اكتشفت صوفيا، مصادفةً، بابًا مخلوعًا في غرفة من أَحد أَجنحة القصر. قرَّرت التحرِّي عن السبب. دخَلَت، فاكتشفت أَن الغرفة مهشمة الموجودات، معظم ما فيها مسروق. ومن غريب المصادفات - وأَحسنها - أَن الجنود النازيين سرقوا أَغراضًا صغيرة تهمُّهم، ولم يكترثوا بالصندوق الخشبي الذي يحوي اللوحة، فتركوه مرميًّا عند زاوية من الغرفة. عندئذ، بمساعدة سيدتَين كانتا باقيتَين في الحي ولم تُغادراه، قامت صوفيا بتنظيف الصندوق، وتغليف اللوحة بقماشة كبيرة خاطتْها من جمْع مخدَّتَين كانتا في زاوية الغرفة. هكذا نجحت صوفيا في إِنقاذ اللوحة قبل أَن يُسافر أُوغستين إِلى پلكيني هربًا من موجة جديدة لـمصادرات الجنود النازيين اللوحات الفنية. في تلك الحقبة، لم يعُد هانس پوس Poss وحده مهتمًّا بحيازة اللوحة الثمينة، بل اهتمَّ بمصادرتها كذلك هانس فرانك، ممثل هتلر في كراكوڤ، ورئيس جهاز مخابراته كاجيتان موهْلْمان. كاجيتان رئيس المخابرات النازية. اللوحة في مكتب الآمر بالمحرقة حين داهم النازيون القصر في پلكيني، كان فيه أُوغستين وزوجته الأَميرة ماريَّا دي لوس دولوريس دو بوربون. وبفضل ما كان للزوجة من حصانة رسمية، سُمح للزوجين بالمغادرة إِلى إِسپانيا، وصدَر الأَمر النازي بإِرسال اللوحة إِلى كراكوڤ. ومنها نُقلَت إِلى وارسو فإِلى دْرِسْدِن حيثُ كان ينتظرُها هانس پوس الذي، بين أَن يرسلها إِلى مجموعة هتلر الخاصة أَو أَن يرسلَها إِلى متحف النمسا، اختار أَن يرسلها إِلى برلين لضمان الحفاظ عليها. وسنة 1941 أَمر پوس أَن يأْخذ كاجيتان موهْلْمان اللوحة إِلى مقره: قصر ڤاڤِل الملَكي في كراكوڤ، فعلَّقها مزهوًّا فوق مكتبه الذي كان منه ينظِّمُ سفر القطارات لشحن اليهود إِلى المحرقة. وكان بين مهمَّات فرانك، وهو رئيس الحكومة في پولونيا المحتلَّة، أَن يُنشئ مشاريع ثقافية نازية، وأَن يُشرف على تدمير الثقافة الپولونية في أَذهان أَبنائها. الحلقة الخامسة (الأَخيرة): إِلى أَين انتهى المسار باللوحة؟