شدد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على ضرورة حماية أهالي الجنوب ومنع الانزلاق إلى مزيد من التصعيد، داعياً إلى انتقال الدولة من المواقف والاتهامات إلى قرارات فعلية تعزز السيادة وتعيد هيبة المؤسسات وثقة اللبنانيين بها. وجاء موقف الراعي خلال ترؤسه، مساء أمس، القداس الاحتفالي لمناسبة عيد القديس أوتل في باحة كنيسته الأثرية في بلدة كفرصغاب بقضاء زغرتا، حيث ألقى عظة بعنوان: "بع كل ما لك… وتعال اتبعني". وقال الراعي إن لهذه الدعوة معنى وطنياً أيضاً، موضحاً أن بناء الوطن يتطلب من الإنسان معرفة ما يجب أن يتخلى عنه من أجل الخير العام، سواء كان مصلحة ضيقة أو امتيازاً شخصياً أو حساباً طائفياً أو مكسباً حزبياً يمنع الوصول إلى قرار وطني كبير. وأكد أن لبنان يحتاج، في هذه المرحلة، إلى وضوح في الأولويات وانتقال من المواقف إلى المسؤولية. وأضاف: "في الجنوب، تبقى الأولوية حماية الأهالي ومنع الانزلاق إلى المزيد من التصعيد، حتى يعود الاستقرار إلى القرى والبيوت، ويبقى الناس في أرضهم بأمان وكرامة". وشدد على أن المفاوضات يجب أن تثمر نتائج واضحة، وأن تقترن بالجدية في التنفيذ والالتزام بما يتم الاتفاق عليه، لافتاً إلى أن الناس لم تعد تقيس الأمور بكثرة الاجتماعات، بل بما يتحقق فعلياً على الأرض. وفي ملف السيادة، دعا الراعي إلى حضور كامل للدولة على مساحة الوطن، وقرار شرعي واضح، ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق وتنفيذ القانون، مؤكداً أن "الهيبة لا تصنعها الشعارات، بل الحضور الفعلي والقرار المسؤول". ورأى أن الوقت حان للانتقال من تبادل الاتهامات إلى اتخاذ قرارات فعلية تخدم المصلحة الوطنية، قائلاً إن اللبناني لا يحتاج إلى معرفة من يلوم من، بل إلى رؤية من يتحمل مسؤوليته ويبدأ بالحل. وأشار إلى أن الإصلاح لم يعد يحتمل مزيداً من الوعود، داعياً إلى خطوات جدية تعيد ثقة الناس بالمؤسسات، وتثبت أن الإصلاح ليس شعاراً يُرفع، بل ممارسة تظهر في القانون والإدارة والمحاسبة. وشدد الراعي على أن إعادة الإعمار وعودة الأهالي تبقيان في صلب الأولويات، مؤكداً أن المناطق المتضررة ليست مجرد ملف، وأن البيوت ليست أرقاماً، بل تقف خلفها عائلات وذكريات وحياة كاملة. وأضاف أن إعادة البناء تعني إعادة الإنسان إلى أرضه ومستقبله، مشدداً على أن الوحدة الوطنية تشكل الأساس الذي يجمع هذه الأولويات كلها. وختم بالتأكيد أنه لا يجوز أن يتحول الخلاف إلى خطاب طائفي أو انقسام جديد، داعياً إلى اعتماد لغة وطنية جامعة والتقاء اللبنانيين حول ما يحمي وطنهم، لا حول ما يفرّقهم.