مرجعيون، جنوب لبنان 5 سبتمبر 2026 (شينخوا) على شرفة شقة مستأجرة في بلدة مرج الزهور، تجلس نجلا ياسين، النازحة من بلدة العديسة، محدقة في شاشة هاتفها. تتنقل بين صور جوية لمنزلها ومحلها ومنازل جيرانها، تكبّر الصورة حينًا وتصغرها حينًا آخر، وكأنها تحاول الاقتراب من مكان بات الوصول إليه متعذرا. وقالت نجلا، وهي في الأربعينيات من عمرها لوكالة أنباء ((شينخوا)): "لم أكن أتصور أنني سأدفع مئات الدولارات لأرى منزلي من الفضاء"، موضحة أنها لم تكن تريد أكثر من معرفة ما الذي بقي من رزقها بعد الحرب. وتابعت :"حملت الصورة جوابا قاسيا، فقد أظهرت تدمير المنزل والمحل، إلى جانب دمار واسع طال منازل الجيران كافة". وبينما لا تزال العودة إلى كثير من المناطق الحدودية محفوفة بالصعوبات، تحولت صور الأقمار الاصطناعية إلى وسيلة شخصية وحيدة يستخدمها المتضررون لرصد ما حل بممتلكاتهم، بعدما باتت الأرض بعيدة عن أعين أصحابها." وتصل كلفة الصورة الواحدة، بحسب المتضررين، إلى ما بين 200 و500 دولار، فيما يلجأ بعضهم إلى شراء صور متتابعة لمقارنة المشهد ورصد التغيرات التي طرأت على منازلهم وأراضيهم ومصالحهم. وفي الخيام، التي غيّر الجيش الإسرائيلي معالمها، كانت فاتنة نصر الله تتأمل صورة منزلها في منطقة وادي العصافير، وتكبّر تفاصيلها على الهاتف قبل أن تشير إلى الحديقة والأشجار التي كانت تحيط بالمنزل. وقالت فاتنة لـ((شينخوا)): "كان منزلنا مؤلفًا من ثلاثة طوابق، ومحاطا بالأشجار المثمرة والورود، فهو ثمرة أكثر من ست سنوات من الجهد والعمل والادخار بيني وبين زوجي". وأوضحت أن الصورة الجوية التي دفعت مقابلها 300 دولار، أظهرت أن تعبهم كله تحول إلى "كومة من الحجارة". وفي بلدة ميس الجبل، يتابع محمد قبلان صورا لمنزله الواقع قرب تجمع المدارس الذي أنشأه مجلس الجنوب بديلًا مؤقتا عن المدارس الرسمية التي دمرتها الحرب. وأوضح قبلان أن المقارنة بين الصور تكشف كيف تغيّر المشهد مع مرور الوقت، ففي الصور الأولى ظهرت أضرار جزئية في المنزل، بينما بدا تجمع المدارس سليما، قبل أن تظهر في صور حديثة مناظر مختلفة تماما، مع تدمير المنزل والمجمع بالكامل. وفي شبعا، شرق جنوب لبنان، امتد استخدام الصور الجوية إلى قطاع آخر لا يقل ارتباطًا بالأرض، وهو تربية النحل. وأشار مختار شبعا حسن علي زهرا إلى أن عشرات النحالين اضطروا للمرة الأولى إلى شراء صور فضائية دورية للاطمئنان على خلاياهم المنتشرة في المناطق الحدودية المحتلة والتي يقدر عددها بنحو ألف خلية، ولا سيما في محور الناقورة في القطاع الغربي من جنوب لبنان. وقال: "ينفق هؤلاء مئات الدولارات للحصول على صور جديدة، في وقت قُدّرت فيه الخسائر الأولية التي لحقت بنحالي قرى العرقوب بنحو 400 ألف دولار". أما في محور الوزاني، فتكشف الصور جانبا آخر من الخسائر، يتعلق بمشاريع سياحية كانت تشكل جزءا من النشاط الاقتصادي للمنطقة. وقال نضال عيسى، صاحب منتزه في الوزاني، وهو يستعيد صورة المكان قبل الحرب: "كل شيء تبدل"، فالحرائق وأعمال التجريف محت آثار المقاهي والمنتزهات التي كانت تستقبل آلاف الزوار، في حين تشير التقديرات إلى تضرر أكثر من 25 مشروعا سياحيا، تراوحت كلفة المشروع الواحد منها بين مليون ومليون ونصف مليون دولار. وفي عيترون، تلخص حسناء حرب، وهي طالبة جامعية، في حديثها لـ((شينخوا))، جانبا آخر من هذه المفارقة. وقالت: "دُمّر منزل عائلتي، كما دُمّرت منازل جميع أبناء البلدة، وبعد أن خسر الجميع ممتلكاتهم، وجدوا أنفسهم أمام كلفة إضافية لا ترتبط بإعادة البناء أو التعويض، بل بمجرد معرفة حجم ما خسروه". ويُشار إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية شملت مساحة واسعة في جنوب لبنان تُقدر بنحو 600 كيلومتر مربع، تضم نحو 60 بلدة وقرية حدودية عانت من القصف والتوغلات. ووفقا لتقييم مشترك أعدّه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان (CNRS-L)، فقد تم تدمير 11095 مبنى بالكامل حتى نهاية أبريل الماضي، بالإضافة إلى تعرض آلاف المباني الأخرى لأضرار جزئية.■