تتسع الفجوة اللبنانية لدى الجيل الحالي من المتعلمين في لبنان، ويعزو المتخصصون زيادة الفاقد التعليمي إلى سلسلة متتالية من الأزمات والحروب التي حدثت بين 2019- 2026، وهي مرشحة للتصاعد باستمرار في ظل الوضعية الهشة للبلاد. جيل لا يجيد القراءة، ويفتقر إلى قواعد اللغة للكتابة الصحيحة، ويفشل في حل أسئلة الثقافة العامة البديهية، ويواجهون صعوبات في حل المعادلات الرياضية الأساسية... هذه هي الحصيلة الأولية لـ"سبع سنوات عجاف" تربوياً في لبنان، وفق دراسة عمل عليها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. بالأرقام، كشف المركز أن أكثر من 100 مدرسة تم تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بها، خسر التلامذة ثلاثة أيام تعلم من كل خمسة، أكثر من نصف تلاميذ الصف الأول يفتقرون إلى مهارات أساسية في الرياضيات، بحلول الصف السادس، تراجع مستوى الإلمام بالقراءة والكتابة، ثمانية من كل 10 تلاميذ في الصف السادس لا يتقنون عملية القسمة، فيما تحولت أكثر من 50 في المئة المدارس الرسمية تحولت إلى مراكز إيواء، وأكثر من 50 في المئة من الأطفال النازحين لم يلتحقوا بالتعليم الابتدائي، وستة من كل 10 من المراهقين النازحين لم يلتحقوا بالتعليم الثانوي. قد تعد هذه الأرقام نتيجة بديهية لسيل المشكلات والأزمات التي عصفت بالبلاد، وحفرت عميقاً في النظام التعليمي اللبناني بدءاً من العام الدراسي 2018-2019 ودخول المدارس في دوامة "التعطيل". إذ يشكو أهالي الطلاب من أن أبناءهم بلغوا صفوفاً متقدمة وعلى رغم ذلك يرتكبون أخطاء فادحة في الإملاء وعند القراءة، كذلك فإنه لا يتمكنون من كتابة نص قصير من دون الاستعانة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي. تقارن السيدة هلا بين إمكانات ابنتها الطالبة في الصف الأول الثانوي وما كان عليه أبناء جيلها، فتقول "عندما كنا في الصف الثالث، كان الطلاب يجيدون القراءة السليمة وينطقون مخارج الحروف، وتحريك الكلمات سمعياً، أما حاضراً فيرتكب الأبناء في صفوف متقدمة أخطاء فادحة للغاية". فيما يسترجع رائد تجربته مع معلمة الإملاء في الصفوف الابتدائية، عندما "كانت تفرض إعادة نسخ النص 10 مرات على الطالب المتعثر من أجل تحسين مهاراته اللغوية، وكان الأمر نفسه ينطبق على جدول الضرب والحساب، حين كان استخدام الآلة الحاسبة ممنوعاً". فيما يحمل بعض الأهالي المسؤولية لانشغال الطلاب فترات طويلة بالهاتف الذكي والاعتماد شبه الدائم على الآلة ومحركات البحث. أضف إلى ذلك الأزمات والحروب التي عايشتها البلاد بسبب الانهيار المالي والاقتصادي وحروب الإسناد المتتابعة وفقدان الطلاب مقاعدهم الدراسية بسبب عمليات التدمير الواسعة التي قام بها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وتحول كثير من المدارس في بقية المناطق إلى مراكز لإيواء مئات الآلاف من المواطنين النازحين قسرياً من قراهم ومدنهم. تحولت المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين خلال السنوات الماضية (ا ف ب) على أعتاب عام دراسي جديد يبدأ خلال أيام قليلة في لبنان، تسود الخشية من تكرار تجارب الأعوام الماضية، ومن ثم مفاقمة "الفجوة المعرفية" لدى الطلاب، وقد أظهرت مجموعة من الدراسات التي قامت بها مؤسسات بحثية مختلفة حجم "الفاقد التعليمي" خلال الفترة السابقة في لبنان. ويكشف الباحث في مركز الدراسات اللبنانية محمد حمود عن القيام بسلسلة من الدراسات خلال فترة 2020-2026، وقياس تأثير الإغلاق العام بسبب جائحة كورونا وصولاً إلى الحروب المتعاقبة، إذ اعتمد الأسلوب الإحصائي وإرسال استمارات إلى عينة واسعة من المعلمين والمتعلمين والأهالي، وأظهرت الأرقام "حالاً من انعدام المساواة في الوصول إلى التعليم بين أبناء الطبقات الاجتماعية اللبنانية"، وقدمت فترة التعليم أونلاين (التعليم عن بعد) مؤشراً إلى التفاوت إذ "لم تتمكن كثير من العائلات تأمين التجهيزات كالهواتف والحواسيب والوصول إلى الشبكة". أدت تلك الأزمات إلى ظهور ما يعرف بـ"فاقد تعليمي" لدى جزء كبير من طلاب لبنان، ووفق التعريف فإن الفاقد التعليمي هو الفرق بين ما يفترض أن يكون الطالب قد تعلمه واكتسبه من مهارات ومعارف بحسب عمره وصفه الدراسي، وبين ما تعلمه فعلياً. وما زاد الطين بلة حسب حمود "آثار الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي ودخول المدارس في مرحلة الإقفال القسري الطويل بسبب الحركة الاحتجاجية وإضراب المعلمين خصوصاً في القطاع العام للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية، وهو ما فاقم الفاقد التعليمي لدى طلاب المدارس الرسمية أكثر منها الخاصة". ومن ثم جاءت حقبة الحرب وتحول المدارس إلى مراكز إيواء، إذ يشير حمود إلى طلاب نزحوا عن قراهم ولم يتمكنوا من الالتحاق مجدداً بمدارسهم، في موازاة طلاب حرموا من العودة إلى مدارسهم الرسمية بسبب تحولها إلى مراكز إيواء للنازحين، لذا فإن "طلاب المدارس الرسمية وأبناء الطبقات الأكثر فقراً كانوا أكثر تأثراً بالأزمات