لم تهدم الغارة الإسرائيلية التي استهدفت بلدة الكفور – النبطية ليل 4 أيلول 2026 منزلًا فحسب، بل حوّلت إلى ركام معلمًا ثقافيًا احتضن على مدى سنوات أدباء الجنوب وفنانيه ومثقفيه. فقد أعلن المجلس الثقافي للبنان الجنوبي تدمير منزل الأديب والنائب السابق حبيب صادق، ناشرًا كلمات وداع لمكان لم يكن بيتًا عائليًا عاديًا، بل ملتقى مفتوحًا لأصحاب الفكر والرأي والأصدقاء. كان المنزل يتكئ على إحدى تلال الكفور، منعزلًا بهدوء بين أشجار الصنوبر، فيما ازدانت جدرانه بلوحات لنخبة من الفنانين الجنوبيين وغيرهم، وتوزعت في حديقته الأنصاب والمنحوتات الحجرية، ليبدو أشبه بمتحف صغير تختلط فيه الفنون بالطبيعة. كما احتضن مكتبة غنية بمختلف أنواع الكتب والمطبوعات، وكان حبيب صادق يستقبل زواره بعبارته المعهودة "يا عزيزي"، قبل أن يقدم إليهم الشاي ويهديهم أحدث إصدارات المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، لتبدأ جلسات الأدب والفكر بعيدًا عن صخب السياسة. وحبيب صادق، المولود عام 1931 والمتوفى عام 2023، أديب وشاعر وناشط ثقافي وسياسي جنوبي، انتسب إلى المجلس الثقافي للبنان الجنوبي منذ تأسيسه عام 1964، ثم تولى رئاسته عام 1975 واستمر في موقعه حتى رحيله. كما انتُخب نائبًا عن الجنوب عام 1992، وعُرف بمواقفه اليسارية والاعتراضية، إلا أن حضوره الأبرز بقي في العمل الثقافي. فقد اهتم بجمع التراث الشعري والأدبي العاملي، وأشرف على سلسلة "تراث عاملي"، وأصدر أكثر من 10 مؤلفات في الشعر والأدب والسياسة، بينها "في زمن القهر والغضب"، و"جنوبًا ترحل الكلمات"، و"شهادات على حاشية الجنوب"، و"في وادي الوطن". غاب حبيب صادق قبل ثلاثة أعوام، لكن المنزل ظل شاهدًا على مسيرته: لوحات على الجدران، وكتب على الرفوف، ومنحوتات بين الأشجار، ومقاعد تنتظر زوارًا اعتادوا أن يسمعوا عند وصولهم عبارة "يا عزيزي". أما اليوم، فقد غاب المنزل بدوره عن المشهد، بعدما حوّلت الغارة مكتبته ولوحاته ومنحوتاته إلى ركام، لتنضم ذاكرة ثقافية جديدة إلى الخسائر التي تتكبدها بلدات الجنوب. وختم المجلس الثقافي للبنان الجنوبي وداعه بالتأكيد أن منزل حبيب صادق، وإن غاب عن الحضور، سيبقى حيًا في قلوب محبيه وأصدقائه وذاكرة كل من عبر أبوابه.