خريطة العالم التي اعتاد ملايين الأشخاص رؤيتها في المدارس والأطالس وعلى الشاشات منذ عقود تتجه إلى تغيير كبير، بعدما صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لمصلحة التخلي تدريجاً عن إسقاط "مركاتور" التقليدي، واعتماد تمثيلٍ يُظهر حجم أفريقيا بصورة أكثر دقة. وبحسب تقرير نشرته صحيفة "The Guardian"، أقرّت الجمعية العامة القرار في مقر الأمم المتحدة بنيويورك بتأييد 164 دولة، فيما كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي صوتت ضده، وامتنعت ست دول عن التصويت. ووصف المندوب الأميركي القرار بأنه "غير ضروري". القرار غير ملزم، ما يعني أن الدول والمؤسسات لن تكون مجبرة على استخدام الخريطة الجديدة أو التوقف عن استخدام إسقاط "مركاتور". إلا أن الخطوة يمكن أن تنعكس على المناهج التعليمية والتكنولوجيا المستخدمة يومياً، نظراً إلى انتشار هذا الإسقاط في التعليم والتقنية والحوكمة. لماذا تبدو أفريقيا أصغر من حجمها الحقيقي؟ تعود خريطة "مركاتور" إلى عام 1569، عندما ابتكر رسام الخرائط الفلمنكي جيراردوس مركاتور هذا الإسقاط لمساعدة البحارة على الملاحة. وبعد نحو خمسة قرون، لا يزال معياراً عالمياً واسع الاستخدام. المشكلة تكمن في الطريقة التي يعرض بها مساحات اليابسة. فالمناطق القريبة من خط الاستواء تظهر أصغر من حجمها الفعلي، بينما تبدو المناطق الواقعة في خطوط العرض العليا أكبر بكثير. ويظهر حجم التشويه عند مقارنة أفريقيا بغرينلاند. على خريطة "مركاتور" تبدوان متقاربتين في المساحة، بينما تبلغ مساحة أفريقيا في الواقع نحو 14 ضعف مساحة غرينلاند. وتشير حملة "Correct The Map" إلى أن مساحة أفريقيا كبيرة إلى درجة تسمح باحتواء الولايات المتحدة والصين والهند واليابان والمكسيك وجزء كبير من أوروبا، مع بقاء مساحة إضافية. وكان الاتحاد الأفريقي قد تبنى الحملة في آب 2025، قبل أن يطلب من توغو قيادة الجهود المتعلقة بها. خريطة لأفريقيا من أطلس مركاتور، يعود تاريخها إلى الفترة بين عامي 1595 و1602 (مصدر الصورة: تقرير الغارديان). القرار الذي قادته توغو نيابة عن الاتحاد الأفريقي يدعو إلى الانتقال نحو تمثيل يستند إلى تصميم "Equal Earth"، الذي طوّره فريق دولي من رسامي الخرائط عام 2018. ويرى مؤيدو هذا التصميم أنه سيساعد على تغيير التصورات السائدة عن أفريقيا، وإزالة التأثيرات الاستعمارية من المناهج التعليمية العالمية. وتعتبر توغو أن القضية تتجاوز مسألة شكل الخريطة. فالقرار، بحسب موقفها، يعترف بأن التمثيلات غير المتناسبة للمناطق الجغرافية تركت آثاراً معرفية وتعليمية وثقافية وجيوسياسية واجتماعية واقتصادية، وساهمت في تقليص الحجم المتصور لأفريقيا ومناطق أخرى في الوعي العالمي. وقبل التصويت، شدد وزير الخارجية التوغولي روبرت دوسي على البعد العلمي للنقاش، معتبراً أن القضية تتعلق بواقع جغرافي تدعمه الأدلة العلمية. لم يقتصر التحرك على قرار الأمم المتحدة. فقد أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، قبل التصويت، أن بلاده ستتخلى عن إسقاط "مركاتور" لمصلحة تمثيلات أكثر وفاءً للمساحات الحقيقية ومتوافقة مع توصيات رسامي الخرائط والعلماء. وستستخدم فرنسا إسقاط "Eckert IV"، وهو تصميم قريب من "Equal Earth" الذي يدعمه القرار. وجاء الموقف الفرنسي في خطوة اعتُبرت جزءاً من مساعي باريس لتعزيز صورتها الإيجابية لدى مستعمراتها السابقة. ظل إسقاط "مركاتور" موضع انتقادات من مؤرخين وجغرافيين لسنوات. ويرى منتقدوه أنه ارتبط بصور نمطية غربية، فيما استخدم بعض الناشطين تعبير "الاستعمار الخرائطي" لوصف تأثيره. ويذهب بعض الانتقادات إلى أن طريقة رسم العالم لم تؤثر في إدراك الأحجام الجغرافية فحسب، بل ساهمت أيضاً في تضخيم الحضور البصري لدول نصف الكرة الشمالي وتقليص مناطق الجنوب العالمي والمناطق الاستوائية، وهو ما يرى منتقدون أنه عزز تحيزات منهجية في التجارة الدولية وأولويات التنمية والأطر التعليمية. ولم تبدأ محاولات إيجاد بديل من "مركاتور" اليوم. ففي عام 1973، طرح المؤرخ الألماني أرنو بيترز خريطةً تستند إلى إسقاط "Gall-Peters"، واستُخدمت لاحقاً في كثير من الأحيان بديلاً من خريطة "مركاتور". ماذا يعني القرار لـGoogle Maps والخرائط الرقمية؟ يمتد النقاش إلى قطاع التكنولوجيا، لكن المصدر لا يتحدث عن قرار من Google بتغيير خرائطها حالياً. وتخطط حكومة توغو لتنظيم فعالية في العاصمة لومي خلال الربع الأول من العام المقبل، بمشاركة منظمة اليونسكو والاتحاد الأفريقي وعلامات تكنولوجية بينها Google Maps، للبحث في سبل تنفيذ القرار. وتكتسب هذه النقطة أهمية في ظل توقعات بأن تنعكس نتيجة التصويت على التكنولوجيا اليومية، إلى جانب المناهج الدراسية، بسبب الاستخدام الواسع لإسقاط "مركاتور" في التعليم والتكنولوجيا والحوكمة. ومع ذلك، يبقى القرار