يواجه وقف إطلاق النار في جنوب لبنان اختبارًا جديدًا، مع تجدد التصعيد العسكري للاحتلال في عدد من المناطق الحدودية، بالتزامن مع تصريحات سياسية وعسكرية من الجانب الإسرائيلي تؤكد استمرار العمليات وعدم الاستعداد للانسحاب من المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال. وشهد جنوب لبنان، اليوم الخميس، سلسلة غارات جوية وقصفًا مدفعيًا وتفجيرات وأعمال تجريف طالت عددًا من البلدات، فيما عملت فرق الإسعاف على إخلاء عائلة كانت محاصرة داخل منزلها في بلدة حاريص، في ظل استمرار وجود قوات الاحتلال داخل مناطق جنوبية لبنانية. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن الطيران الحربي شن فجر اليوم غارتين على حرج علي الطاهر عند الأطراف الشرقية للنبطية الفوقا، مستخدمًا صواريخ ارتجاجية أحدثت انفجارات قوية تردد صداها في المنطقة، وتسببت في تصاعد سحب كثيفة من الدخان. كما طالت الغارات والقصف المدفعي مناطق المنصوري وصربين ووادي زبقين وبيت ليف، بالتزامن مع تفجير ضخم في بلدتي بني حيان ويحمر الشقيف، فيما نفذت جرافة تابعة للاحتلال أعمال تجريف لعدد من المباني في بلدة حولا بقضاء مرجعيون. وفي بلدة حاريص، تمكنت فرق جمعية الرسالة للإسعاف الصحي من إخلاء عائلة كانت محاصرة داخل منزلها، ونقل أفرادها إلى مكان آمن، بعدما تعرض محيط المنزل لعمليات تمشيط وإطلاق قذائف من قوات الاحتلال. ويأتي التصعيد في وقت يواصل فيه الاحتلال تثبيت وجوده العسكري داخل مناطق في جنوب لبنان، رغم وقف إطلاق النار، بينما تتكرر الغارات والتفجيرات وأعمال التجريف، بما يفاقم المخاوف اللبنانية من تحويل الهدنة إلى غطاء لاستمرار العمليات العسكرية وفرض وقائع ميدانية جديدة. وفي المقابل، قال جيش الاحتلال إن قواته تواصل العمل داخل ما سماها "المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، مهددًا بالرد على أي محاولة من حزب الله لاستهداف البلدات الشمالية أو قواته الموجودة في المنطقة. وزعم جيش الاحتلال أن حزب الله تلقى خلال الأشهر الماضية ضربات واسعة في مختلف منظوماته، وأنه لم يعد يمثل، وفق تقديره، التهديد الاستراتيجي الذي كان يمثله سابقًا، في محاولة لتبرير استمرار الانتشار العسكري والعمليات داخل الأراضي اللبنانية. ولا يتوقف التصعيد عند الجانب الميداني، إذ تتزامن العمليات العسكرية مع مواقف أمريكية لا تظهر ضغطًا واضحًا على الاحتلال للانسحاب أو وقف اعتداءاته. وقال السفير الأمريكي في لبنان ميشال عيسى إنه لا توجد نية أمريكية للتفاوض مع حزب الله، وأن هذا الموقف قد يتغير فقط إذا كان لدى الحزب ما يمكن أن يقدمه، في تصريحات تعكس استمرار واشنطن في ربط المسار السياسي بشروط تتعلق بالموقف من الحزب وسلاحه. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام، فإن الموقف الأمريكي يتقاطع مع المسار الذي تفرضه حكومة الاحتلال ميدانيًا، خصوصًا في ظل استمرار العمليات في مرتفعات علي الطاهر ومناطق أخرى، ورفض تل أبيب تقديم خطوات باتجاه الانسحاب الكامل من المناطق التي تسيطر عليها قواتها. وفي الداخل الإسرائيلي، تترافق هذه السياسة مع خطاب يتعامل مع حجم الدمار الذي لحق بالقرى والبلدات اللبنانية باعتباره إنجازًا عسكريًا. ونقلت تقارير إعلامية عن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس حديثه عن تدمير ما بين 15 ألفًا و20 ألف منزل في جنوب لبنان، فيما أشارت تقارير إسرائيلية إلى تدمير قرى لبنانية بأكملها ضمن المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال. ويكشف هذا الخطاب عن طبيعة الوقائع التي يحاول الاحتلال تثبيتها على الأرض، إذ لا تقتصر العمليات على استهداف مواقع عسكرية وفق الرواية الإسرائيلية، وإنما تمتد إلى المنازل والمباني والبنية العمرانية في بلدات وقرى جنوبية، بما يهدد قدرة السكان على العودة إلى مناطقهم وإعادة بناء حياتهم. وتأتي هذه التطورات بينما لا يزال المسار السياسي الخاص بوقف إطلاق النار يواجه تعقيدات متزايدة، مع عدم تحديد موعد واضح لجولة جديدة من المفاوضات، في وقت تضغط فيه بيروت باتجاه تمديد الهدنة واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، بينما ترفض حكومة الاحتلال تقديم ما تعتبره "تنازلات" ميدانية. وتضع هذه المعادلة الهدنة أمام واقع شديد الهشاشة؛ فبينما يفترض أن تفتح التهدئة الطريق أمام تثبيت وقف إطلاق النار وعودة السكان إلى قراهم، تستمر الغارات والتفجيرات وأعمال التجريف، ويتحول الدمار المتبقي في البلدات الجنوبية إلى ورقة ضغط تستخدمها حكومة الاحتلال في مواجهة أي مسار سياسي يدفع نحو الانسحاب. وتزداد خطورة المشهد مع استمرار الاحتلال في الحديث عن "منطقة أمنية" داخل الأراضي اللبنانية، في وقت تؤكد فيه الوقائع الميدانية أن هذه المنطقة لا تعني فقط انتشارًا عسكريًا، بل ترتبط بعمليات هدم وتجريف واستهداف لمبانٍ وممتلكات، الأمر الذي يترك آثارًا مباشرة على السكان والقرى الواقعة في نطاق العمليات. وبين التصعيد الميد