لم تعد "إنفيديا" تكتفي ببيع الرقائق التي تشغّل طفرة الذكاء الاصطناعي، فقد أعلنت موافقتها على شراء منصة "هاغنغ فايس" في مقابل 12.9303 مليار دولار، في أكبر صفقة استحواذ في تاريخها إذا اكتملت. لكن الصفقة لم تُغلَق بعد، وتشير تقارير مالية إلى استهداف إتمامها في النصف الأول من عام 2027، رهناً باستيفاء شروط الإغلاق والحصول على موافقات الجهات التنظيمية. وبحسب التفاصيل المتاحة، ستدفع "إنفيديا" نحو 11.9 مليار دولار إلى مساهمي "هاغنغ فايس"، إلى جانب برنامج حوافز قائم على الأسهم تصل قيمته إلى مليار دولار مخصص للاحتفاظ بالموظفين. ويحمل الرقم الدقيق للصفقة لمسة رمزية: فالرقم 129303 يقابل، بالنظام العشري، رمز "وجه العناق" الذي استوحت منه "هاغنغ فايس" اسمها وشعارها. بدأت "هاغنغ فايس" في عام 2016 تطبيقاً للمحادثة، قبل أن تتحول إلى منصة محورية للتعلم الآلي. وهي تستضيف اليوم أكثر من ثلاثة ملايين نموذج و500 ألف مجموعة بيانات ومليون تطبيق، ويستخدمها أكثر من 18 مليون مطور وباحث ومنشئ، إضافة إلى أكثر من 200 ألف شركة، وفق أرقام "إنفيديا". وتجمع المنصة بين استضافة النماذج والبيانات، ومكتبات برمجية واسعة الانتشار، وأدوات لتقييم النماذج وتخصيصها ونشرها. لذلك توصف أحياناً بأنها "غيت هاب للذكاء الاصطناعي" (AI GitHub)، وإن كانت خدماتها تتجاوز وظيفة المستودع البرمجي التقليدي. ولا يعني الاستحواذ أن "إنفيديا" ستملك تلقائياً ملايين النماذج ومجموعات البيانات التي رفعها الآخرون. تبقى حقوق هذه المواد خاضعة إلى تراخيص أصحابها. أما ما تشتريه "إنفيديا" فعلياً فهو الشركة وبنيتها وخدماتها وعلاقتها بمجتمع المطورين، فضلاً عن موقعها المؤثر في تحديد النماذج والأدوات التي تحظى بالانتشار. لماذا تدفع "إنفيديا" هذا المبلغ؟ بلغت قيمة "هاغنغ فايس" 4.5 مليارات دولار في آخر جولة تمويل معلنة في عام 2023. لكن صحيفة "الفايننشال تايمز" أفادت بأنها رفضت في عام 2025 استثماراً من "إنفيديا" على أساس تقييم بلغ سبعة مليارات دولار، حفاظاً على استقلالها. وبذلك يمثل سعر الصفقة علاوة كبيرة على كلا التقييمين. وتقدّر تقارير مالية إيرادات الشركة السنوية بنحو 150 مليون دولار. وعلى هذا الأساس، يعادل المبلغ المخصص للمساهمين نحو 79 ضعف الإيرادات، ويرتفع المضاعف إلى نحو 86 ضعفاً إذا احتُسِب برنامج الاحتفاظ بالموظفين من ضمن القيمة الإجمالية. وتبقى هذه حسابات تقريبية، لأن "هاغنغ فايس" شركة غير مدرجة في البورصة لا تنشر قوائم مالية مدققة للجمهور. لذلك، لا يمكن تفسير السعر بالأرباح الحالية وحدها. تشتري "إنفيديا" الطريق التي يسلكها المطور من اكتشاف النموذج إلى اختباره وتخصيصه وتشغيله. بعدما بنت نفوذها في المعالجات والشبكات والبرمجيات، تقترب الآن من النقطة التي يُتّخَذ فيها قرار اختيار العتاد والسحابة. وتمثل الصفقة أيضاً تحوطاً من محاولات الشركات العميلة الأبرز لدى "إنفيديا"، مثل "مايكروسوفت" و"أمازون" و"غوغل" و"ميتا"، تطوير رقائقها الخاصة وتقليل اعتمادها عليها. من خلال "هاغنغ فايس"، تستطيع "إنفيديا" الوصول مباشرة إلى سوق أوسع تضم الشركات الناشئة والجامعات والحكومات والمطورين المستقلين. وعد رئيس "إنفيديا" التنفيذي، جنسن هوانغ، بأن تبقى "هاغنغ فايس" منصة مفتوحة ومتعددة السحب والمسرعات، وأن استخدام رقائق "إنفيديا" لن يصبح شرطاً. وهذا التعهد أساسي لأن المنصة تدعم أيضاً العتاد الخاص بمنافسين مثل "إيه إم دي" و"إنتل" ومسرعات الذكاء الاصطناعي التي تطورها "غوغل". لكن الحياد لا يُقَاس بمجرد بقاء هذه الخيارات متاحة. ستراقب السوق ترتيب نتائج البحوث والتوصيات، وسرعة دعم العتاد المنافس، والأسعار، وسهولة النشر، وأي أفضلية قد تحصل عليها نماذج "إنفيديا" أو رقائقها. وهنا قد تظهر مخاوف الجهات التنظيمية، إذ تشتري جهة موردة مهيمنة للمعالجات منصة واسعة الأثر في قرارات ملايين المطورين. تبدو الصفقة باهظة إذا قِيسَت بإيرادات "هاغنغ فايس" الحالية، لكنها تصبح أكثر منطقية إذا نُظِر إليها بوصفها شراءً لموقع استراتيجي في سلسلة الذكاء الاصطناعي. لا تريد "إنفيديا" الاكتفاء ببيع الرقائق وأنظمة الحوسبة التي تشغّل النماذج، بل تسعى أيضاً إلى امتلاك المنصة التي يلجأ إليها المطورون لاختيار هذه النماذج وتخصيصها ونشرها. غير أن نجاح الرهان سيتوقف على قدرتها على تحقيق عائد من المنصة، من دون إضعاف استقلال الأخيرة أو خسارة ثقة المطورين والباحثين والشركات التي بنت حضور "هاغنغ فايس" ومنحتها قيمتها.