داخل نفقٍ طويل رنان ومغلق، تبدأ الرحلة إلى داخل الجسد بحثاً عن تفصيلٍ قد يحمل إجابةً واضحة أو يفتح باباً لسؤالٍ جديد. ففي ظلّ الإنتشار المتزايد للتصوير بالرنين المغناطيسي للجسم كاملاً من ضمن الفحوص الوقائية، بات بالإمكان استكشاف مناطق واسعة لدى أشخاص لا يُعانون بالضرورة من أعراض، بدافع الرغبة في الكشف المبكر عن أيّ تغيّر محتمل. تقنية الرنين المغناطيسي في الفحص الطبّي (Pexels) غير أنَّ اتِّساع نطاق التصوير يرفع أيضاً احتمال اكتشاف موجودات عرضية لم تكن موضعاً للبحث. ومع ارتفاع تكلفة الأدوية والعلاجات، لا تعود المسألة متعلّقة بدقّة الصورة وحدها بل بما قد تفتحه نتائجها من تحاليل جديدة ومتابعات متكرّرة وما قد يُرافق ذلك من أعباءٍ نفسية ومادية. أُجريت في الولايات المتّحدة دراسة شارك فيها باحثون من NYU Grossman School of Medicine وThe Wharton School في جامعة بنسلفانيا، نُشرت عام 2026 بهدف رصد مواقف الجمهور من الرنين المغناطيسي للجسم كاملاً، من خلال تحليل النقاشات الصحية المنشورة على منصّة Reddit. شملت الدراسة 3070 منشوراً، أظهرت أنَّ المواقف الرافضة لهذا الإختبار كانت الأكثر حضوراً بنسبة 47% في مقابل 25% من المواقف المؤيّدة. كما بلغ النقاش ذروته في آب 2023، عقب انتشار تأييد أحد المؤثّرين له، بما يعكس الدور الذي تُؤدّيه المنصات الرقمية في تشكيل نظرة العالم إلى الوقاية والكشف المبكر. في فرنسا يبدو الإهتمام بالصحة مرتبطاً بنمط أوسع من الوعي الوقائي، فبحسب طبيبة اختصاصية بعلم الفيزياء، يولي بعض الأشخاص اهتماماً كبيراً للعوامل المحيطة بهم والتي قد تُؤثّر في صحتهم، من الغذاء والنشاط البدني إلى المواد الكيميائية المستخدمة في الحياة اليومية. ينعكس ذلك في ممارسات مختلفة، منها الحدّ من استخدام هذه المواد في المنزل واللّجوء في بعض الحالات إلى بدائل طبيعية. من جهة أخرى، تُؤكّد الطبيبة النفسية في غرونوبل ن.ف. أنَّها لم تُصادف في عيادتها حالاتٍ من الوسواس أو القلق الصحي نتيجة إجراء Body Scan، غير أنَّ الإفراط قد يرتبط بعدم معرفة اليقين، فيستمر البحث عن مزيد من التأكيد، ما يمنح شعوراً موقّتاً بالراحة قبل أن تتحوّل المراقبة تدريجاً إلى حلقة يصعب كسرها. وفي دبي، يُقدَّم Whole-Body MRI من ضمن برامج الفحص الوقائي، فيما تُعدّ تقنيات التصوير المتقدّمة من MRI إلى CT وPET-CT، جزءاً من الخدمات الطبّية المعتمدة في لبنان، وقد شهدت تعرِفاتها تعديلات رسمية في السنوات الأخيرة. توضح اختصاصية الأشعة ح. أ. أنَّ الصورة لا تُقرأ بمعزل عن صاحبها، بل في ضوء الأعراض والمعطيات السريرية، فعندما لا تتوافق النتيجة مع الحالة، لا يصحّ اعتبارها تشخيصاً نهائياً بل قد تستدعي التحقّق بصور أو فحوص مكمّلة. هنا تكمن أهمية الخبرة الطبّية في التمييز بين معطيات موجودة تُفسّر الأعراض وأخرى عارضة لا ترتبط بها. فإذا انسجمت النتيجة مع المعطيات السريرية، أمكن اعتمادها وإلّا استدعى الأمر استكمال الإستقصاء للوصول إلى تفسير أدقّ. لا تقتصر مسؤولية الطبيب على قراءة النتيجة، بل تمتد إلى إيصال النتيجة بوضوح، فعند الحاجة إلى تدخّل عاجل يتواصل مع المعالج أو يُوجّه المريض إلى الطوارئ. أمّا الحالات الجدّية غير العاجلة، فقد تتطلّب متابعةً، فحصاً إضافياً أو خزعة. المطلوب هو إبلاغ المريض بتأنٍ من دون تهويل أو طمأنة زائفة كي يستمر بالمتابعة. إلى ذلك، يتزايد حضور الذكاء الإصطناعي في الأشعة، لكنَّه يبقى أداةً مساعدة لا بديلاً. قد يرصد تغيّرات دقيقة لا تحمل بالضرورة دلالة مرضية، ما قد يقود إلى نتائج إيجابية كاذبة أو إلى فحوص وخزعات غير ضرورية. التكنولوجيا في خدمة صحة الإنسان (Pexels) تظل الخبرة أساسيةً في تقييم ما يرصده النظام، بخاصة في الأشعة التداخلية والإجراءات التي يُنفّذها الطبيب بنفسه. ويُشكّل التصوير بالرنين المغناطيسي تحدّياً في ذاته للمرضى الذين يُعانون من القلق الشديد أو رهاب الأماكن المغلقة، ما يستدعي مراعاة حالتهم النفسية أثناء إجرائه. وفي دراسة متعدّدة المراكز شملت 327 شخصاً من دون أعراض، ظهرت لدى 42,2% منهم موجودات مرتبطة بالأورام، لكنَّ السرطان تأكّد لدى 0,9% فقط. تكشف هذه الأرقام مفارقةً أساسية لِلهوس الصحي: فقد تبدأ الرغبة بالإطمئنان من سؤالٍ بسيط، ثمَّ تتحوّل إلى حاجةٍ متكرّرة لِلتحقّق والملاحقة. لا تكمن الوقاية في رصد كلّ ما يُمكن العثور عليه، بل بمعرفة ما يستحقّ التشخيص فعلاً ومتى تكون النتيجة كافيةً لنرتاح ونتوقّف.