خمسة محتجزين مقابل ملف الرفات الصفقة الصغيرة والملف الكبير أبو ظبى ، الامارات – لم تكن صفقة الإفراج عن خمسة محتجزين لبنانيين من إسرائيل مجرد عملية إنسانية عابرة. إذ أن التزامن بين إطلاق المحتجزين ومساعدة بيروت في البحث عن رفات يهود لبنانيين ثم انتقال إسرائيل إلى السيطرة على تلة علي الطاهر في جنوب لبنان يفتح سؤالًا أكبر. هل بدأت واشنطن إعادة بناء التفاوض بين إسرائيل ولبنان عبر ملفات صغيرة يمكن إنجازها؟ وربما يكون ذلك تمهيدًا للملفات الأكثر تعقيدًا. أفرجت إسرائيل عن خمسة محتجزين، بينهم ثلاثة لبنانيين وسوريان، بعد أن خلص التحقيق الإسرائيلي إلى عدم ارتباطهم بمنظمات إرهابية. وجاء الإفراج في إطار تفاهمات توسطت فيها الولايات المتحدة، بالتزامن مع تعاون لبناني في البحث عن رفات يهود لبنانيين فُقدوا خلال الحرب الأهلية. لكن اللافت أن ملف الرفات لم يظهر فجأة. إذ كان مطروحًا ضمن محادثات إسرائيل ولبنان السابقة، إلى جانب قضية المحتجزين. وهذا يعني أن المسار الإنساني كان يتحرك بالتوازي مع المفاوضات السياسية والأمنية الأوسع. في الوقت الذي كانت فيه صفقة المحتجزين تتحرك، أعلنت إسرائيل سيطرتها العملياتية على تلة علي الطاهر. وهي نقطة مرتفعة قرب النبطية تتمتع بأهمية استراتيجية بسبب إشرافها على قرى وطرق رئيسية وارتباطها بشبكة أنفاق ومنشآت عسكرية لحزب الله، وفق الرواية الإسرائيلية وتقارير دولية. وتكمن أهمية التلة في أنها تقع داخل العقدة الأكبر التي عطلت التفاهم بين إسرائيل ولبنان. إذ تريد إسرائيل ضمانات أمنية ونزع سلاح حزب الله قبل الانسحاب، بينما يطالب لبنان بانسحاب إسرائيلي كامل. في المقابل، يرفض حزب الله تسليم سلاحه بالشروط الإسرائيلية. لذلك تحولت علي الطاهر إلى أكثر من موقع عسكري. فقد أصبحت اختبارًا لمعادلة ما بعد وقف إطلاق النار. تقول واشنطن إن الإفراج عن المحتجزين خطوة يمكن أن تساعد في دفع مزيد من المحادثات بين إسرائيل ولبنان. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها تأمل في استمرار الحوار بعد عملية الإفراج. وهنا تظهر صورة مختلفة للمفاوضات. فبدل انتظار اتفاق شامل حول الحدود والسلاح والانسحاب، يمكن البدء بملفات محددة: محتجزون، مفقودون، رفات، ترتيبات مدنية. بعد ذلك يمكن الانتقال تدريجيًا إلى الملفات الأمنية. هذا المسار ليس جديدًا بالكامل. إذ شهدت المفاوضات الأمريكية بين بيروت وتل أبيب بالفعل بحث آلية للتحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية. وهذا يشمل دور دول أجنبية في مراقبة تنفيذ الاتفاق. كما أن واشنطن دفعت نحو استئناف المحادثات في روما خلال سبتمبر. المفارقة أن الملف الإنساني الذي استطاعت الأطراف تحريكه يلامس مباشرة الملف الأمني الذي ما زال عالقًا. لبنان يريد استكمال الإفراج عن المحتجزين ومعرفة مصير المفقودين وإنهاء الوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية. أما إسرائيل فتربط الانسحاب بإبعاد حزب الله ونزع سلاحه من المنطقة. في المقابل يرى الحزب أن الانسحاب الإسرائيلي يجب أن يسبق أي نقاش حول السلاح. وتوضح التطورات في علي الطاهر حجم الفجوة بين المسارين. وبينما تظهر خطوات لبناء الثقة في ملف المحتجزين والرفات، تعمل إسرائيل في الوقت نفسه على تثبيت واقع عسكري جديد في الجنوب. وتقول تقارير إن التلة أصبحت جزءًا أساسيًا من المنطقة الأمنية التي تحاول إسرائيل فرضها. لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت وجود صفقة شاملة تربط مباشرة بين الرفات وعلي الطاهر. لكن تزامن الملفات يكشف مسارًا تفاوضيًا يستحق المتابعة. تحاول واشنطن إبقاء قناة الاتصال مفتوحة، بينما تستخدم إسرائيل أوراقًا عسكرية على الأرض. يبحث لبنان عن مكاسب إنسانية وسياسية. في الوقت نفسه يبقى سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي العقدة الأصعب. لذلك قد لا تكون أهمية الإفراج عن خمسة محتجزين في عددهم، بل في إمكانية تحول هذا النوع من التفاهمات إلى نموذج تفاوضي تدريجي. إذ يُنجز ملف إنساني، ثم ملف آخر، ثم ترتيبات مدنية، وصولًا إلى السؤال الذي لم تستطع المفاوضات حسمه حتى الآن: من ينسحب أولًا، ومن يضمن ألا يعود الجنوب إلى الحرب ؟ وبينما تتحرك قضية الرفات على طاولة التفاوض، تتحول علي الطاهر إلى ورقة على الأرض. وبين الورقتين قد تكون واشنطن تختبر إمكانية بناء اتفاق إسرائيلي-لبناني لا يأتي دفعة واحدة، بل قطعةً قطعة.