وجّه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان رسالة بمناسبة الذكرى السنوية الخامسة لرحيل الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان، جاء فيها: "لأننا نعيش ذكرى رحيل الوالد الشيخ عبد الأمير قبلان الذي كان يكره الألقاب ويعشق البساطة ويحبّ الفقراء والمساكين والأيتام وينتمي لهم ويقوم على خدمتهم ورعايتهم، ويعتقد أنّ أفضل الإنسانية مَن يحمل هموم الإنسانية ويعيش عبوديته لله بما يليق برضاه بخدمة عياله وخلقه، وهو الذي حوّل ذاته وإرثه وجهاده وإمكاناته ووظيفته بالإفتاء ورئاسة المجلس الشيعي لتأسيس بنية أخلاقية سياسية اجتماعية لخدمة المواطن اللبناني، وكان يعتقد أنّ الإسلام محبة ونخوة ووصال والمسيحية رأفة ومودة ولقاء، وهو الذي خاض غمار المعركة المضادة للحرب الأهلية مع أخيه الإمام السيد موسى الصدر، كما واجه الإحتلال الصهيوني للبنان بطريقة تحوّلت إلى مدرسة نموذجية بالوطنية والتفاني العام، وهو الذي خاطب اللبنانيين عشية الإجتياح الصهيوني قائلاً: لبنان وطن الآباء والأجداد، والإسلام والمسيحية فيه وبه ومنه وإليه، ولا وطن بديل ولا شعب بديل ولا سلطة بديلة عن التوافق والشراكة الوطنية، محذراً من السقوط بمصيدة المشروع الصهيوني الذي يهدّد لبنان والمنطقة، وهو كان مِن أوائل مَن لفت إلى أنّ الكيان الصهيوني مشروع أكبر من فلسطين وخريطة صهيونية أكبر من كواليس التطبيع، وطيلة عشرات السنين ظلّ يحذّر دول المنطقة من هذا السرطان الذي يجب الخلاص منه، وكانت الشعوب مدار جهده وجهاده وتاريخه، وهو الذي خاض غمار المعركة الوطنية وما يلزم لحفظ لبنان من أخطر مشروع صهيوني، وبهذا المجال كان شيخ المجاهدين الأوائل ومفتي المقاومين الأكابر، ولقد جاب التلال والأودية واستنهض الشوارع والأزقة لمواجهة إسرائيل وإخراجها من لبنان، وما زالت أزقة وشوارع الضاحية وكل نواحي الجنوب والبقاع تحنّ لقامته وتتقبّض صوته ومنبره وحضوره ولهفته الشهيرة، وهو بذلك حبيب الجيل الأول للقتال الوطني وصاحب الطلقة الأولى والقامة التي احتضنت معسكرات الجنوب والبقاع وروّضت تضاريس الأرض التي تحوّلت فيما بعد إلى قتال مدو بوجه الصهاينة المحتلين، وهو الذي كتب أعقد مراحل التاريخ المناهض للمشروع الصهيوني ليستعيد الدولة والسلطة والإدارات والأرض من الترسانة الصهيونية المحتلة، ولم يقبل بصهينة البلد والدولة والمؤسسات، وتاريخه من تاريخ الإمام الصدر وإطفاء نار الحرب الأهلية والدفع نحو أرضية إصلاح وطني تنقذ شراكة لبنان، وهو الذي خاض غمار انتفاضة 6 شباط مع أخيه الرئيس نبيه بري، وتنقّل بين الخنادق والمتاريس وخطوط التماس ليطفئ نار الفتنة وينقذ لبنان، وهو الذي لم ينم طويلاً، ولم يَؤُوب كثيراً، لأنّه الرّحالة السماوي الذي حمل خشبة خلاص هذا الوطن على ظهره ولم يستسلم لتعب حتى ارتقى نحو الأبديّة وبين شفتيه أنْ تشاركوا وتضامنوا وتعانوا حتى يبقى لبنان. ولأنّ صميم القضية يتعلق بالبلد وقدرته ومناعته الداخلية فقد حذّر من مشاريع التمزيق والتقسيم الداخلي". وقال: "لا يمكن الإستمرار بوظيفة سلطة طائفية أو وكالة خارجية أو لعبة "طائفة فوق طائفة" أو خندق بوجه خندق، لأنّ البلد شراكة بالتكوين والإستمرار، والحرب الأهلية أثبتت بلوائح الدم والأشلاء واليتم والقهر أنّ اللعبة الخارجية تحفر خنادقها فوق مذبح انقسامنا وأنين أتراحنا وجنائز خلافنا الداخلي، وهو الشخصية التاريخية التي قادت أكبر معارضة وطنية بوجه السلطة الطائفية واللعبة الفئوية التي لا يمكنها إنتاج وطن أو حماية شراكة أو تأمين سلم أهلي أو تربية أجيال وطنية، وهو شيخ المنادين الأوائل بـ"المواطنة الضامنة" وما يجب للخروج من لعبة السواتر والخنادق الطائفية التي تعيد ابتلاع لبنان وتتسابق على تمزيقه وتفريقه، وهو الذي قال: الشراكة الوطنية ضرورة تأسيسية بصميم النظام الوطني، وأي خطأ بتوظيف السلطة وفق جداول طائفية يضعنا فوق تهديد وجودي، وبهذا المجال لفت على أنّ غياب المرجعية التوافقية عن دائرة القرار يهدّد قدرة البلد والسلطة ويحوّل السلطة إلى عدو داخلي ضد نفسها وبلدها، وهنا أصرّ على تحرير السلطة من الإرتهان الخارجي وعقدة الإرتزاق العضوي لأنّ التبعية والإرتزاق والإلتزامات الجانبية تنسف قدرة البلد والدولة على البقاء وتدفع نحو تمزيق الداخل وتفتحه على أخطر الفتن والحروب الأهلية، وهو الذي قال للرئيس أمين الجميل: العدو يستطيع ضرب الحدود لكن الإنقسام الداخلي يهدم الدولة من الداخل، كما أسّس لمبدأ "لا سيادة خارجية بلا شراكة داخلية"، ولم يترك وسيلة للدفع نحو بناء أرضية وطنية يكون فيها المسلم ليس الطرف الآخر للمسيحي بل نصفه الآخر، وكان شديد الإدانة للمحسوبية والزبائنية ولعبة المزارع السياسية، وفي هذا كان يقول: لا خطورة أكبر على الدولة والبلد من تحويل السلطة والإدارات العامة إلى ملكية خاصة عبر السماسرة ومقاولي السلطة وجماعتها، وهو الذي