لم يعد بعض أصحاب المولدات يكتفون ببيع الكهرباء، بل باتوا يفرضون على اللبنانيين كلفةً تتجاوز قدرتهم على الاحتمال، مستفيدين من عجز الدولة عن تأمين بديل. ومع نهاية آب، تحوّلت الفواتير إلى صدمة حقيقية: 300 و400 دولار، وصولا إلى 600 و700 دولار في بعض الحالات، فيما تتسع الفروقات بين مشترك وآخر من دون أن يجد المواطن تفسيرًا مقنعًا أو رقابة تضع حدًا لهذا الاستنزاف. بينما يرفع بعض أصحاب المولدات شماعة ارتفاع أسعار المحروقات واستهلاك المكيفات خلال موجات الحر، لتبرير ارتفاع الفواتير، يبرز السؤال الأهم: هل يتحوّل كل ارتفاع عالمي إلى رخصة لرفع الفواتير كيفما اتفق؟ فالمشكلة ليست في ارتفاع الكلفة فحسب، بل في استغلال حاجة الناس إلى الكهرباء، وفرض أسعار تتجاوز التسعيرة الرسمية، فيما يبقى المشترك عاجزًا عن الاعتراض أو الانتقال إلى مولد آخر في بعض المناطق. الأخطر أن هذا الواقع يكرّس احتكارًا يضع المواطن أمام معادلة ظالمة: إما أن يدفع ما يُطلب منه، وإما أن يبقى بلا كهرباء. وفي بلد أنهكت الأزمة الاقتصادية مداخيله، وأصبح العام الدراسي استحقاقًا ثقيلا، تتحوّل فاتورة المولد إلى اقتطاع مباشر من الغذاء والتعليم والطبابة. فهل يُعقل أن يدفع المواطن ثمن المحروقات، وثمن الاستهلاك، وثمن الاحتكار، فيما تبقى الرقابة عاجزة عن حماية أبسط حقوقه. أمام هذه الفواتير الصادمة، لم يعد ملف المولدات شأنًا استهلاكيًا محضًا، بل استدعى اجتماعًا حكوميًا لبحث الارتفاعات وسبل التشدد في ضبط المخالفات. وفي السياق، ترّأس رئيس مجلس الوزراء نواف سلام في السراي الحكومي اجتماعًا خُصّص لبحث وضع المولدات الكهربائية الخاصة، والارتفاع في الفواتير، وسبل التشدد في ضبط المخالفات. بعد الاجتماع، تلا وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط البيان الآتي الصادر عن سلام: "نحن لا نتجاهل الوقائع الاقتصادية. فقد شهدت أسعار المازوت العالمية ارتفاعًا حادًا خلال الأسابيع الماضية، وارتفع سعر الديزل المكرر منخفض الكبريت في سوق البحر المتوسط بصورة كبيرة خلال تموز وآب، متجاوزًا 1,300 دولار للطن في أواخر آب. وانعكس هذا الارتفاع على الأسعار في لبنان، حيث ارتفع سعر صفيحة المازوت من نحو مليون و780 ألف ليرة في 7 تموز إلى نحو مليونين و399 ألف ليرة في 21 آب، أي بنحو 35 في المئة. كما ارتفع السعر الرسمي للكيلواط ساعة للمولدات في المناطق الساحلية والمكتظة من 40,746 ليرة في تموز إلى 48,241 ليرة في آب، أي بأكثر من 18 في المئة. لذلك، نحن نعرف أن هناك زيادة فعلية ومبررة في الكلفة. لكننا نعرف أيضاً أن هناك زيادات غير مبررة". أضاف :"ارتفاع سعر المازوت لا يعطي أحدا الحق في استغلال حاجة الناس إلى الكهرباء، ولا يبرر مخالفة التسعيرة الرسمية أو فرض رسوم وبدلات إضافية غير قانونية. فالتسعيرة التي تصدر شهريا تأخذ أصلا في الاعتبار كلفة المازوت والتشغيل والصيانة وهامش الربح". تابع: "لقد طبّقنا في طرابلس والميناء نموذجًا واضحًا للتعامل مع المخالفات، من خلال التعاون بين وزارة الاقتصاد والتجارة والأجهزة الأمنية والسلطات المحلية والقضاء، حيث نُظمت محاضر ضبط واتُّخذت إجراءات بحق المخالفين، ووصل الأمر، حيث اقتضى القانون، إلى مصادرة مولدات وتسليمها إلى السلطات المحلية بما يضمن استمرار الخدمة للمواطنين. وقد قررنا اليوم تعميم هذه الآلية على جميع الأراضي اللبنانية". وقال: "لن نكتفي بالتحذيرات أو بمحاضر ضبط تبقى من دون تنفيذ. المطلوب سلسلة واضحة وسريعة: كشف، محضر ضبط، قضاء، إشارة قضائية، وتنفيذ. ... ومن يعتقد أنه يستطيع استغلال حاجة الناس إلى الكهرباء، أو أن الدولة ستغض النظر عن المخالفات، فهو مخطئ. نحن بالمرصاد، والقانون سيُطبّق على الجميع". ودعا "المواطنين إلى عدم التردد في الإبلاغ عن أي مخالفة، وتقديم شكاواهم إلى وزارة الاقتصاد والتجارة عبر تطبيق "MOET Digital Services" أو المنصة الإلكترونية لحماية المستهلك، أو الاتصال بالخط الساخن 1739. فكل شكوى موثّقة تساعد أجهزة الدولة على التحرك ومحاسبة المخالفين". في هذا الإطار، أجرت "نداء الوطن" مقابلة مع الخبيرة القانونية المتخصصة في شؤون الطاقة، المحامية كرستينا أبي حيدر، للوقوف على أسباب الارتفاعات، وحدود مسؤولية أصحاب المولدات، ودور الدولة في ضبط المخالفات وحماية المشتركين. توضح أبي حيدر، أن "الارتفاع في أسعار المشتقات النفطية يرتبط بتطورات عالمية وإقليمية، إلا أن ذلك لا يبرر المخالفات في تسعير المولدات، ولا يعفي الجهات المعنية من مسؤولياتها في حماية المستهلك". تقول أبي حيدر إن "الذي يحصل اليوم هو أمر عالمي، فمع الحرب الدائرة بين أميركا وإيران وإقفال مضيق هرمز، هناك انعكاسات عالمية على كل المشتقات النفطية، وليس في لبنان فقط. لكن المشكلة في لبنان أن الاعتماد على المولدات أكبر، وفواتيرها متح