أزمة النفايات في لبنان: هل يمول الرسم البيئي حلًا مستدامًا أم أزمة جديدة؟ أزمة النفايات في لبنان: هل يمول الرسم البيئي حلًا مستدامًا أم أزمة جديدة؟الفرز من المصدر: نقطة البداية المفقودةشانتال عاصي - "الشرق الاوسط"دخل المرسوم رقم 3214 حيّز التنفيذ استناداً إلى المادة 38 من قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة (القانون رقم 38/2026)، بهدف فرض رسم بيئي على عدد من السلع المحلية والمستوردة وفق مبدأ "الملوِّث يدفع" و"المسؤولية الممتدة للمنتج". الغاية المعلنة: تأمين تمويل مستدام لقطاع جمع النفايات وفرزها ومعالجتها والتخلص الآمن منها، بعد أن أثار المرسوم في نسخته الأولى جدلاً واسعاً واعتراضات اقتصادية دفعت الحكومة إلى تعليقه مؤقتاً وإعادة صياغته بجدول رسوم أكثر انتقائية.السؤال الأهم هو: هل يقابل هذا الرسم، على أرض الواقع، خطة بيئية جاهزة لمعالجة النفايات؟ أم أن التمويل يُجبى قبل أن تكون البنية التحتية موجودة؟واقع النفايات في لبنان: من الأزمة المزمنة إلى "الحل الممول"لفهم أهمية السؤال البيئي، لا بد من العودة إلى الصورة الأكبر. منذ إغلاق مطمر الناعمة، جرّب لبنان تقريباً كل الحلول الممكنة: التطمير العشوائي، الحلول المركزية عبر شركة واحدة، الحلول اللامركزية عبر معامل فرز وتسبيخ بلدية، إضافة إلى مطامر ساحلية كبرى مثل الجديدة وبرج حمود وكوستا برافا. النتيجة، وفق تقييمات متكررة لوزارة البيئة والبنك الدولي، بقيت جزئية وغير مستدامة: نسبة كبيرة من البلديات، خصوصاً خارج المدن الكبرى، ما زالت تلجأ إلى الطمر العشوائي على الطرقات وضفاف الأنهار والوديان، وأحياناً إلى حرق النفايات في الهواء الطلق.هذا الواقع هو ما يجعل "الرسم البيئي" مسألة بيئية بامتياز قبل أن يكون مسألة مالية: فالرسم يُبرَّر بكونه أداة لتمويل معالجة بيئية سليمة، لكن قيمته الفعلية تُقاس بمدى قدرته على تغيير هذا الواقع الميداني، لا بمقدار ما يُجبى منه.الأبعاد البيئية التي يجب أن تغطيها أي خطة جديةالفرز من المصدر: نقطة البداية المفقودةكل الدراسات التقنية التي أعدّتها وزارة البيئة بالتعاون مع البنك الدولي تجمع على أن الفرز من المصدر هو حجر الأساس لأي نظام إدارة نفايات ناجح، لأنه يقلّص كمية النفايات الواصلة إلى المطامر، ويرفع نسبة المواد القابلة لإعادة التدوير والتسبيخ (الكومبوست)، ويخفض كلفة المعالجة اللاحقة. لكن الفرز المنزلي في لبنان ما زال محدوداً جداً، ويقتصر إلى حد بعيد على مبادرات أهلية وبلدية متفرقة، من دون نظام وطني موحد يلزم المواطن والبلدية معاً.معامل الفرز والتسبيخ: طاقة تشغيلية دون الحاجةعدد معامل الفرز والتسبيخ العاملة في لبنان ما زال أقل بكثير من الحاجة الفعلية، وكثير منها يعمل بطاقة جزئية أو متوقف بسبب أعطال تقنية أو نقص التمويل التشغيلي. مشاريع مثل "تدوير" الممول من الاتحاد الأوروبي وينفَّذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والتي زوّدت بلديات مثل جب جنين وزحلة وبعلبك بمعدات فرز ومطامر جديدة، تُظهر أن هناك تحركاً فعلياً، لكنه يبقى مشاريع متفرقة ممولة خارجياً أكثر منه خطة وطنية متكاملة تغطي كل الأراضي اللبنانية.المطامر الصحية مقابل المكبات العشوائيةالفارق البيئي بين "المطمر الصحي" و"المكب العشوائي" جوهري: المطمر الصحي مصمم لعزل النفايات عن التربة والمياه الجوفية عبر طبقات عازلة، ولمعالجة الغازات والسوائل الناتجة عن التحلل (العصارة). أما المكبات العشوائية، وهي الشكل الأكثر انتشاراً في المناطق التي لا تصلها خدمات منظمة، فتتسبب بتسرّب مباشر للملوثات إلى التربة والمياه الجوفية والسطحية، إضافة إلى مخاطر الانزلاقات والحرائق. أي خطة معالجة جدية يجب أن تقيس نجاحها بمدى تراجع عدد هذه المكبات لا فقط بعدد المطامر "الرسمية" الجديدة.حرق النفايات في الهواء الطلق: أزمة تلوث هواء صامتةفي غياب خدمة جمع منتظمة، يلجأ كثير من السكان والبلديات إلى حرق النفايات، وهي ممارسة تُطلق ملوثات خطرة مثل الديوكسينات والفورانات والجسيمات الدقيقة (PM2.5)، وترتبط علمياً بأمراض تنفسية وقلبية وسرطانات على المدى الطويل. هذا البعد الصحي-البيئي غالباً ما يغيب عن النقاش المالي حول الرسوم، رغم أنه العنصر الأكثر إلحاحاً على صحة السكان المجاورين للمكبات.الملوثات البحرية: حالة كوستا برافا كمثالمطامر ساحلية مثل كوستا برافا وبرج حمود أُنشئت كحلول طارئة على شاطئ البحر، وأثارت منذ البداية مخاوف بيئية من تسرب النفايات ومخلفاتها إلى مياه البحر المتوسط، ما يهدد الحياة البحرية والشواطئ السياحية القريبة. أي خطة معالجة حقيقية يفترض أن تتضمن جدولاً زمنياً واضحاً لإغلاق هذه المطامر وتأهيل مواقعها بيئياً، لا الاكتفاء باستمرار العمل بها كحل دائم بحكم الأمر الواقع.إعادة التدوير والاقتصاد الدائري: الحلقة الأضعفنسبة إعادة التدوير الف