قد يبقى الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة على أنفاق في تلة علي الطاهر لغزاً، وبلا أجوبة واضحة حول كيفية حصوله. هل كان ذلك نتيجة اتفاق أو صفقة خفية خرج بموجبها ضباط وعناصر الحرس الثوري؟ أم نتيجة عمليات عسكرية اتبع فيها أسلوب القضم البطيء والحصار والتدمير واكتشاف بعض مداخل الانفاق وضخ غازات سامة فيها، إضافة إلى إحكام الحصار الذي قطع طرق الإمداد عن عناصر الحزب فيها. لكن في موازاة هذا التفصيل الدقيق، لا بد من قراءة المشهد ككل. فالعملية العسكرية الإسرائيلية مستمرة في محيط علي الطاهر منذ أسابيع، وكانت تارة تعنف وطوراً يتراجع منسوبها. وفي موازاة العمل العسكري، طُرحت مبادرات كثيرة لتجنب حصول معركة كبيرة هناك يمكن أن تؤدي إلى تجدد الحرب. في البداية عرض على حزب الله أن يخرج منها ويسلمها للجيش اللبناني لكنه رفض، بينما كانت إسرائيل توافق، وهي التي طلبت في جلسات التفاوض من الجيش أن يدخل إلى علي الطاهر ويفكك المنشأة ويسحب السلاح منها. بعدها بفترة أعيد طرح المبادرة، لكن الإسرائيليين هم الذين رفضوا. جاء الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة العملياتية على التلة، بالتزامن مع إعلان إسرائيل عن استعدادها للإفراج عن خمسة أسرى مدنيين لبنانيين لديها. في بيانها قالت الحكومة الإسرائيلية إنَّ هذا كان جزءاً من المفاوضات المتعلقة بالبحث عن جثامين يهود لبنانيين قضوا خلال فترة الحرب الأهلية. هنا تشير مصادر متابعة إلى أنَّ إسرائيل طلبت من الدولة اللبنانية القيام بعمليات بحث عن جثث أو أي أثر لهؤلاء اليهود الذين اختطفوا وقتلوا في الثمانينيات. ووفق المعلومات، جرى البحث في مقابر اليهود في بيروت منطقة السوديكو، وفي مقابر عائدة لليهود في مدينة صيدا. تم الإفراج عن الأسرى بنتيجة ضغوط أميركية على إسرائيل لأجل إنقاذ مسار المفاوضات، بينما كان لبنان يصر على تحقيق أي مكسب بعد الجولة السابعة، وقبيل الجولة الثامنة التي سيستكمل لبنان البحث فيها بضرورة إطلاق سراح المزيد من الأسرى، في ظل عدم بروز تقدم على مستوى المناطق التجريبية أو استعداد إسرائيل للانسحاب من أي منطقة جديدة، خصوصاً تحت الضغط الإسرائيلي المتزايد على الجيش اللبناني واشتداد الحملات التي تتهم الجيش بأنه لا يقوم بسحب سلاح حزب الله كما يجب. وفي إطار البحث عن توفير ظروفٍ لعقد جولة المفاوضات الثامنة، تشير المعلومات إلى إمكانية فصلها إلى مسارين، مسار سياسي ديبلوماسي في روما، ومسار عسكري في قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي في ولاية فلوريدا. صحيح أنَّ الإفراج عن الأسرى جاء بالتزامن مع إعلان إسرائيل السيطرة على علي الطاهر، لكن أيضاً، جاء هذا الإعلان الإسرائيلي بعد تسريب ما حكي عن رسالة تحذير إيرانية بالتدخل عسكرياً ضد إسرائيل للدفاع عن علي الطاهر ولمنع الإسرائيليين من تنفيذ عملية عسكرية للسيطرة عليها. أراد الإسرائيليون الردّ بشكل مباشر على إيران من خلال هذه الخطوة. لكن اللافت أن دخول الإسرائيليين إلى أحد أنفاق المنشأة العسكرية حصل من دون مواجهة عسكرية كبيرة ومباشرة مع الحزب، لكن القوات الإسرائيلية استبقت ذلك بالكثير من التفجيرات والغارات الجوية، وهنا لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء. منذ أسابيع، تفرض إسرائيل حصاراً مطبقاً على علي الطاهر، وتحاول قطع كل طرق الإمداد. وهي اعتبرت أن الحزب أصبح محاصراً تماماً فيها، كما أنَّ إسرائيل، وعلى مراحل عدة، نفذت غارات بمسيرات استهدف عناصر من الحزب في محيط المنشأة أو بعض الذين تحركوا خارج النفق. كما أنها أسقطت طائرة مسيّرة كان حزب الله يستخدمها لنقل عبوات مياه إلى داخل المنشأة. في المقابل، كان الحزب يؤكد في أوساطه أنه لا يزال يتمكن من التحرك بين داخل المنشأة وخارجها، وأنَّ إسرائيل اكتشفت بعض مداخل الأنفاق والمسارات، لكن هناك مسارات أخرى لا تزال خفية عنها. قبل حوالى الشهر، وتحديداً يوم 8 آب الفائت، خرج بنيامين نتنياهو ليعلن أن القوات الإسرائيلية نفذت عملية نوعية في علي الطاهر ولن يكشف عنها نظراً لحساسيتها الأمنية. يومها كانت العملية عبارة عن اكتشاف إسرائيل لمدخلي نفقين يؤديان إلى المنشأة العسكرية. فاستقدم الإسرائيليون روبوتات آلية عملت على ضخ غاز سام داخل النفقين، ووضع عبوات ناسفة جرى تفجيرها. حينها، ووفق المعلومات، سقط للحزب 4 شهداء. استكمل الإسرائيليون بعدها عملية الحصار والغارات. ومن خلال النفقين، اكتشف الإسرائيليون أيضاً أن للمنشأة قنوات اتصال مع البلدات المحيطة بها، باتجاه دوحة كفررمان، أو باتجاه كفرتبنيت، لذلكَ اعتمد الإسرائيليون سياسة الأرض المحروقة وتدمير كل الأبنية المحيط بالمنشأة أو المشرفة عليها، فبعض الادعاءات الإسرائيلية تحدثت عن أنَّ بعض المنازل أو الأبنية يوجد في أسفلها مداخل نحو الأنفاق. بعد هذه العمليات المكثفة، بدأ الإسرائيليون يتحدثون عن عدم يقينهم بوجود مقاتلين إيران