يتقاطع موسمان في هذه الفترة من السنة: موسم سياحي يسدل ستارته، وموسم جامعي يفتح أبوابه. انتقل الحديث من المطاعم والحجوزات والسهر، إلى الاختصاصات والعلامات والشهادات. في أيار 2016، ألقى نسيم طالب كلمةً أمام خريجي الجامعة الأميركية في بيروت، ووضع في نهايتها لائحة قصيرة من الأشياء التي ينبغي الحذر منها: عضلات من دون قوة، صداقة من دون ثقة، رأي من دون مخاطرة، سلطة من دون إنصاف، شهادات من دون معرفة، تغيير من دون جمال، تقدّم من دون حضارة، وطلاقة من دون مضمون. كانت كلمة تخرّج، ومن الطبيعي أن تُستعاد اليوم مع بداية السنة الجامعية. لكن بعد عشر سنوات، يبدو أن الطلاب ليسوا وحدهم من يحتاجون إلى قراءتها. لنبدأ من الجامعة. "شهادات بلا تبحّر معرفي" عبارة يعرف طالب السنة الأولى معناها حتى قبل أن يحصل على شهادته. فالجامعة تستطيع أن تمنحه شهادة في نهاية الطريق، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن المعرفة ستأتي معها. يمكن أن ينجح في الامتحان من دون أن يفهم تماماً ما درس. ويمكن أن يعرف ما المطلوب منه كي يحصل على العلامة من دون أن يعرف ما الذي يستحق أن يبقى معه بعد انتهاء المادة. وهذا السؤال صار أكثر أهمية مع الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد الوصول إلى المعلومة صعباً، ولا إنتاج نص جيّد أو تلخيص كتاب أو إعداد عرض. سيكون من السهل أكثر فأكثر أن يظهر الانسان بمظهر العارف، لكن التحدّي الحقيقي أن يعرف فعلاً. التحدّي في طرح السؤال المناسب، والتمييز بين الجواب الجيّد والجواب الرديء، أن يناقش ما يقرأ، وأن يعرف حدود معرفته. لكن ما قاله نسيم طالب لطلاب الجامعة، يتردّد صداه خارج حرمِها. الموسم السياحي الذي انتهى يصلح بدوره لقراءة عبارة أخرى: "تغيير بلا جمال". فلبنان، يتغيّر باستمرار فيما يخصّ القطاع السياحي: مبانٍ جديدة، مطاعم جديدة، مشاريع جديدة، طرق تتوسع وأماكن يُعاد تصميمها. لكن ليس كل تغيير تحسنًا، فالتغيير لا يحمل قيمته في ذاته: ماذا أخذ من المكان، وماذا أضاف عليه؟ وهذه ليست مسألة ذوق فقط، فشكل المدينة والبلدة والقرية يخبرنا شيئاً عن نظرتنا إلى المكان الذي نعيش فيه. هل نراه مساحة نستعملها ونستخرج منها أكبر منفعة ممكنة، أم شيئاً وصل إلينا ونضيف إليه قبل أن نسلّمه لمن يأتي بعدنا؟ فعبارة "تغيير من دون جمال"، هي سؤال عن طبيعة التغيير نفسه. ثم تأتي العبارة الأقسى: "تقدّم بلا حضارة". فالصيف اللبناني قدّم كل علامات الحداثة الاستهلاكية: مطاعم وسيارات فخمة، خدمة الفاليه باركينغ، حفلات، موسيقى، إضاءة، ألعاب نارية، أماكن جديدة، وحياة ليلية تعلن أن البلد لا يزال حياً. لا تكمن المشكلة في هذه المظاهر، بل في غياب الحضارة التي يجب أن تأتي بعد ذلك. عندما يخرج الزبون من المطعم، هل يجد رصيفاً يستطيع السير عليه؟ هل الطريق مساحة عامة أم موقفاً خاصاً للمطعم؟ هل يملك صاحب الحفلة حق فرض موسيقاه على الحي كلّه؟ وهل تتحول الألعاب النارية من متعة لمن اختارها إلى ضوضاء مفروضة على آلاف الأشخاص؟ الجواب هو أنّنا حدّثنا في لبنان أنماط استهلاكنا أسرع ممّا حدّثنا طريقة عيشنا مع بعضنا. وحين تصبح القدرة الشرائية والنفوذ هما ما يحدّدان من يستخدم الطريق والرصيف والمكان العام، نكون اكتفينا بالشّكل وأهملنا الحضارة. وإذا كانت "شهادات بلا تبحّر معرفي" تصلح للطلاب، و"تغيير بلا جمال" و"تقدم بلا حضارة" تصلحان لقراءة مدننا ومواسمنا، فإن بعض عبارات طالب تبدو وكأنها كُتبت مباشرة للطبقة السياسية اللبنانية. "طلاقة من دون مضمون"، حيث أن لبنان يمثّل حالة قلّ نظيرها في امتلاك هذا القدر الهائل من الخطابات التي تشرح قدراً أكثر هولاً من الأزمات: الدولة، السيادة، الإصلاح، الميثاق، الشراكة، الإنقاذ، الحقوق، الصمود، المقاومة، المؤسسات. مفردات كبيرة تتكرر منذ عقود، فإذا كانت الطلاقة موجودة، أين المضمون؟ ثم يحذّر نسيم طالب من "رأي بلا مخاطرة"، وهي عبارة تذهب إلى جوهر فكرته عن أن يكون لصاحب القرار نصيب في نتائج قراره. من السهل جداً أن تطلب من الآخرين الصمود عندما لا تعيش ظروفهم. وأن ترفع سقف المواجهة عندما يكون منزل شخص آخر هو الذي يقع تحت هذا السقف. وأن تطلب التقشف ممن يعتمد على راتبه بينما تملك أنت طرقك الخاصة لحماية نفسك من النتائج. ليست المشكلة أن للسياسي رأياً، فالسياسة من دون رأي لا معنى لها. المشكلة هي حين تنفصل الكلفة عن القرار، أي عندما يستطيع شخص أن يُخطئ، ويدفع آخر الثمن. وهذا ربّما أهم ما يمكن أن تتعلمه السياسة من خطاب لم يكن سياسياً أصلاً. في بداية الخطاب، قدّم نسيم طالب للمتخرّجين تعريفاً شخصياً للنجاح: أن ينظر الإنسان إلى المرآة ويسأل نفسه إن كان قد خذل الشخص الذي كانه في الثامنة عشرة أو العشرين من عمره، قبل أن تبدأ المكانة والمال والسمعة ومقاييس الآخرين بتغيير ما يريده من حياته. ماذا لو طرحنا السؤال