من يتابع الصين ويزور مدنها يعتاد مشهد الشاشات العملاقة التي تملأ المراكز التجارية ومحطات المترو والقطارات وواجهات المباني. الجديد هذه المرة أن بعض هذه الشاشات لم تكن تعرض منتجًا أو علامة تجارية أو وجهًا من عالم الترفيه، بل علماء يعرف الصينيون أسماءهم جيدًا: تشيان شيويه سن، ودنغ جياشيان، ويوان لونغ بينغ، وتو يويو، وغيرهم ممن ارتبطت أسماؤهم بمحطات مهمة في تاريخ الصين العلمي الحديث. بدأت الظاهرة في مقاطعة شاندونغ، ثم ظهرت في مدن ومقاطعات أخرى، ووصلت إلى تشنغتشو حيث عُرضت مطلع أيلول/ سبتمبر صور هؤلاء العلماء في محطات المترو والمراكز التجارية. وقد يكون من السهل التعامل مع الأمر باعتباره تكريمًا مستحقًا لشخصيات تحظى أصلًا باحترام كبير في الصين، لكن توقيت هذه المبادرات يستحق التوقف عنده، لأن الصين تخوض منذ سنوات نقاشًا كبيرًا حول المرحلة التالية من تطورها الاقتصادي، وموقع العلم والتكنولوجيا فيها. على مدى أكثر من أربعة عقود، بنت الصين قاعدة صناعية غيرت موقعها في الاقتصاد العالمي، وأصبحت جزءًا رئيسيًا من سلاسل الإنتاج والتوريد، حتى اختصرت عبارة "صُنع في الصين" مرحلة كاملة من صعودها. كانت القدرة على الإنتاج بكميات ضخمة، والبنية التحتية، وتراكم الخبرة الصناعية، والانفتاح على التكنولوجيا والأسواق، عناصر أساسية في تلك التجربة، لكن الصين التي وصلت إلى هذه المكانة تواجه اليوم نوعًا آخر من المنافسة، تصبح فيه المعرفة الموجودة داخل المنتج أحيانًا أهم من القدرة على إنتاجه بكميات أكبر. لهذا أتحفظ قليلًا على العبارة الشائعة التي تتحدث عن انتقال الصين "من التصنيع إلى الابتكار"، لأنها توحي بأن مرحلة التصنيع أصبحت وراءها، بينما ما يحدث هو العكس تقريبًا. الصين تريد الحفاظ على قاعدتها الصناعية، لكنها تريد مصنعًا مختلفًا أيضًا؛ مصنعًا يرتبط أكثر بالمختبر والجامعة والمهندس والخوارزمية وبراءة الاختراع، وتكون القيمة التكنولوجية الموجودة في المنتج الصيني أكبر مما كانت عليه في المراحل السابقة.ولم يعد هذا الطموح مجرد تصور للمستقبل. السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية والقطارات فائقة السرعة والطائرات المسيّرة والروبوتات والاتصالات والفضاء والذكاء الاصطناعي أصبحت قطاعات يصعب الحديث عن الصناعة الصينية من دون ذكرها. وما يجمع بينها أن الحجم الصناعي وحده لا يكفي للنجاح فيها، لأنها تحتاج إلى إنفاق مستمر على البحث والتطوير، وإلى مهندسين وعلماء وبرمجيات ومواد جديدة، وإلى قدرة على نقل ما يحدث في المختبر إلى خطوط الإنتاج. الأرقام تساعد على تقدير حجم هذا الرهان. فقد بلغ إنفاق الصين على البحث والتطوير عام 2025 نحو 3.93 تريليون يوان، بزيادة 8.1 في المئة عن العام السابق، ووصل إلى ما يعادل 2.80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما ارتفع الإنفاق على البحوث الأساسية بنسبة 11.1 في المئة. وفي العام نفسه دخلت الصين للمرة الأولى قائمة الاقتصادات العشرة الأولى في مؤشر الابتكار العالمي. لا أقرأ هذه الأرقام باعتبارها إعلانًا بأن الصين حسمت المنافسة التكنولوجية، فهذا سباق طويل ومعقد، لكنها تكفي للدلالة على حجم الاستثمار الذي تضعه البلاد في هذا الاتجاه. عند العودة إلى صور العلماء على الشاشات، يلفت الانتباه أن الأسماء المعروضة لا تأتي من اختصاص واحد. تشيان شيويه سن من أبرز مؤسسي البرنامج الصاروخي والفضائي الصيني، ودنغ جياشيان أحد الأسماء الأساسية في تطوير القدرات النووية الصينية، ويوان لونغ بينغ ارتبط اسمه بالأرز الهجين وزيادة الإنتاجية الزراعية والأمن الغذائي، أما تو يويو فقادت أبحاثها إلى اكتشاف الأرتيميسينين المستخدم في علاج الملاريا، وحصلت عن هذا الإنجاز على جائزة نوبل في الطب عام 2015. ربما يفسر ذلك جانبًا من المكانة التي يحظون بها. هؤلاء لم يبق العلم بالنسبة إليهم داخل الأوراق الأكاديمية؛ ارتبط عملهم بالصواريخ والفضاء والغذاء والدواء، أي بقضايا يستطيع المجتمع أن يرى أثرها. وتجاربهم تنتمي إلى مراحل مختلفة، لكنها تروي بطريقتها جزءًا من التاريخ الذي تريد الصين أن تبني عليه مرحلتها المقبلة. الابتكار يحتل منذ سنوات موقعًا رئيسيًا في رؤية الرئيس شي جين بينغ للتحديث الصيني، ولم يبدأ الاهتمام به مع اشتداد المنافسة التكنولوجية مع الولايات المتحدة، وإن كانت القيود التي فرضت على وصول الصين إلى بعض التقنيات المتقدمة قد جعلت المسألة أكثر إلحاحًا. ويتكرر في الخطاب الصيني الحديث تعبير تحقيق مستوى عالٍ من "الاعتماد على الذات والارتقاء الذاتي في العلوم والتكنولوجيا"، مع اهتمام أكبر بالبحث الأساسي والابتكار الأصلي وتحويل الإنجازات العلمية إلى تطبيقات صناعية. ويأتي الحديث عن "القوى المنتجة الجديدة النوعية" ضمن البحث عن محركات للنمو تختلف جزئيًا عن تلك التي قادت العقود السابقة.