شهدت البنية الإقليمية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني خلال الأشهر الماضية تحولاً جذرياً. ففي 25 آب/ أغسطس، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، من قصر الشعب في دمشق انتهاء مهمة "قسد" وحلها بوصفها قوة عسكرية مستقلة. وبذلك اكتمل مسار اندماجها في مؤسسات الدولة السورية، والذي بدأ بالاتفاق الإطاري المبرم مع الرئيس أحمد الشرع في آذار/ مارس 2025. وفي تركيا، أُقر مطلع آب/ أغسطس قانون إطاري من اثنتي عشرة مادة لتنظيم حلّ حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه وإعادة دمج أعضائه. ولا تزال العملية تنتظر قرار مجلس الأمن القومي التركي الذي سيحدد ما إذا كان الحل قد أصبح نهائياً ولا رجعة فيه، وهو قرار متوقع في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل. بالتزامن مع ذلك، أخلى حزب العمال الكردستاني عدداً من مواقعه المواجهة لتركيا داخل إقليم كردستان العراق، ودخلت القوات التركية إلى جزء كبير من المناطق التي انسحب منها. وهكذا، أُعيد تنظيم ثلاث من الساحات الأربع التي تنشط فيها القوى المتأثرة بفكر عبد الله أوجلان: حلّ حزب العمال في تركيا، ودمج قسد بالجيش السوري، وانسحاب مقاتلي الحزب من مواقعهم الشمالية في العراق. لكن المسار الإيراني سار في الاتجاه المعاكس، إذ احتفظ حزب الحياة الحرة الكردستاني "بيجاك"، الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني، بسلاحه بل وسّع مواجهاته مع القوات الإيرانية. إيران لا توفر بديلاً سياسياً للسلاح منذ أوائل حزيران/ يونيو الماضي، يخوض "بيجاك" مواجهات متصاعدة مع الحرس الثوري الإيراني، بوتيرة لم تشهدها المنطقة منذ وقف إطلاق النار بين الطرفين عام 2011. بدأت الاشتباكات في المرتفعات القريبة من مريوان وجنوب مهاباد، ثم امتدت خلال تموز/ يوليو إلى المناطق الحدودية. وفي 2 آب/ أغسطس، واستهدفت قاعدة اللواء 328 التابعة للجيش الإيراني بقذائف صاروخية. ويفسر اختلاف البيئة السياسية الإيرانية جانباً أساسياً من هذا التصعيد. ففي تركيا ظهر إطار قانوني لتنظيم نزع السلاح والاندماج. وفي سوريا وجدت قسد مؤسسة عسكرية رسمية يُمكن دمج أفرادها فيها. أما في العراق، فيوجد نظام دستوري يعترف بإقليم كردستان، بالتزامن مع تفكيك الوجود العسكري المنفصل لحزب العمال على الحدود التركية. في المقابل، لا تقدم طهران مساراً سياسياً يسمح بتحويل "بيجاك" إلى حزب قانوني، ولا ضمانات تحمي أعضاءه بعد تسليم السلاح، ولا إطاراً دستورياً يستوعب مطالبه المتعلقة باللامركزية والحقوق القومية والثقافية. بل تتعامل السلطات الإيرانية مع معظم النشاط السياسي الكردي، بما فيه النشاط السلمي، من منظور أمني. لذلك يرى "بيجاك" أن نزع سلاحه في الظروف الحالية لن ينقله إلى العمل السياسي في إيران، بل سيترك مقاتليه وشبكاته مكشوفين أمام الحرس الثوري. وقد لا يكون السلاح قادراً على تحقيق الديمقراطية التي يطالب بها الحزب، لكنه يظل، من وجهة نظره، وسيلة للبقاء والردع في غياب تسوية قابلة للتنفيذ. يحمل استمرار "بيجاك" بعداً استراتيجياً أيضاً. فمع اختفاء البنية المسلحة لحزب العمال في تركيا، واندماج قسد، وإخلاء المواقع القريبة من الحدود التركية في العراق، أصبحت الجبهة الإيرانية المجال الوحيد الذي لا يزال فيه الحزب يحتفظ بقوة عسكرية مستقلة ومؤثرة. ويستفيد "بيجاك" من تمركزه في الجبال الممتدة من قنديل إلى سلسلة آسوس والمناطق المحاذية للحدود الإيرانية. وتمنحه الكهوف والتحصينات وشبكات الحركة في هذه الجغرافيا قدرة على الصمود أكبر من تلك المتاحة لأحزاب كردية إيرانية أخرى تتمركز في معسكرات ثابتة داخل إقليم كردستان، حيث تخضع لضغوط أمنية متزايدة من بغداد وأربيل وطهران. وحلّ "بيجاك" الآن سيعني خسارة حزب العمال الكردستاني آخر أصوله العسكرية قبل اختبار نتائج التسويات الجارية في تركيا وسوريا والعراق. ويؤدي بقاؤه وظيفة التأمين الاستراتيجي، ويحفظ للحزب موقعاً في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بإيران أو القضية الكردية داخلها. في الوقت عينه، لا تمثّل انسحابات حزب العمال من شمال العراق خطة مؤكدة لنقل قواته إلى الجبهة الإيرانية. يمكن تفسير عدم حل "بيجاك" بثلاثة عوامل واضحة: غياب بديل سياسي إيراني، تمتعه بجغرافيا تمنحه قدرة مستقلة على البقاء ،ورغبة حزب العمال الكردستاني في الاحتفاظ بآخر أوراق قوته.