هذه مشاهد جزئية وانطباعية عابرة، مصدرها مشاهدات وملاحظات ومشاعر وإشارات وأفكار تحصّلت أثناء العيش والسيْر والتنقل والتفكّر والمحادثة العابرة. وتحتاج إلى أن ترفدها دراسات وأبحاث إحصائية، وشهادات متوفرٌ بعضها ودفعت قراءتُها إلى كتابة هذه السطور. واحدة من تلك الدراسات كتبها أنيس الجرماني، ونُشرت في 27 تموز 2026 في موقع أو منصة "تجريبية" في الفضاء الألكتروني تدعى "صفر". وورد في الدراسة أنَّ: 750 ألف لبناني هاجروا من بلدهم منذ انهيار 2019 المالي والاقتصادي؛ أي 20 في المئة من اللبنانيين. أما المقصود بالطبقة الوسطى الفتيّة المشار إليها في العنوان، فتلك التي قيل مرات إنها الأوسع والأوفر عددًا في لبنان بين البلدان العربية، وهي تشكل مصدر حيويته الاجتماعية، الثقافية والسياسية، إضافة إلى مناخ الحريات المتوفرة فيه: قبل حروبه الأهلية الإقليمية (1975 - 1990)، وجزئيًا في أثنائها، وهي استعادت شطرًا من حيويتها بعدها، ما بين 1991 و2019. منذ نحو سنتين تشهد الأشرفية موجة خافتة وصامتة من انتقال سكان جدد إليها من بعض أحياء غرب بيروت. وربما من بقايا أخلاط سكان رأس بيروت أكثر من سواه من أحياء العاصمة، بسبب ظروف الحرب والنزوح أو الشتات الأخيرة، على الأرجح. سماسرة تأجير الشقق وبيعها وكذلك ملاّكها، يحرصون بعناية على استطلاع الولاءات السياسية، المنابت الطائفية، والأوضاع الطبقية والمهنية للسكان الجدد الوافدين. وهذا لئلا يعرّضون الأشرفية وسكانها لتبعات أمنية، أو لخلل في نمط حياتها العامة ومعاييره، في هذه الظروف التي تمر بها البلاد جنوبًا وفي ضاحية بيروت الجنوبية، على وجه التخصيص. من المنتقلين من رأس بيروت للسكن في الأشرفية قبل نحو سنتين، رجل وزوجته المسنان. وقد سكنا في بناية تخلو شققها الكثيرة المشيدة في الستينيات إلا من سكان قليلين. وهناك رجل سبعيني انتقل من حي شعبي بيروتي، واستأجر قبل شهور شقة لسكنه في بناية قد يعود تشييدها إلى ثمانينات القرن الماضي، غير بعيد من فندق "ألكسندر" المهجور والمقفل منذ نحو 6 سنوات، عقب الانهيار المالي والاقتصادي الكبير في البلاد. واكتشف الساكن الجديد المسن أن معظم سكان البناية مثله من المسنين. تقع البناية في حي هادئ وشارع مقفل في نهايته على كتف المقلب الجنوبي من الأشرفية. وللتعرف على الأشرفية ومسالكها، قام الساكن الجديد بجولات مشي يومية بصحبة صديق له يقيم منذ أكثر من 10 سنوات في ما يسمى "الدائرة الذهبية" غرب الأشرفية. من أولى الانطباعات والمشاعر التي أفضى بها لصديقه، بعد جولات المشي في أوقات متباينة من النهارات، أنَّ مشاهد الحياة اليومية في شوارع الأشرفية أيقظت لديه ذكريات قديمة تعود إلى فتوته في مطالع ستينيات القرن الماضي: الطيونة في الشياح، عين الرمانة، وفرن الشباك. لكن مع فارق أنَّ عمران الأشرفية اليوم كثيف، بل شديد الاكتظاظ، وعتّقه مرور السنين وكساه بشيء من شحوب القِدم والهجران، من دون أن ينطوي هذان الشحوب والقِدم على قوة أفعال الحروب والبشر في العمران والعمارة، بل ينطويان على شيء من هجران وإهمالٍ ملجوم، يعكسان قلة عدد السكان في البنايات، انكفاءهم وندرة الفئة العمرية الشابة بينهم. وهذا ما تُظهره قلة هذه الفئة في شوارع أحياء الأشرفية السكنية. وهي شوارع يقل بل يتضاءل فيها المشاة العابرون أصلًا، قياسًا بأحياء ومناطق غرب بيروت المزدحم معظمها بالعابرين. ووحدها العمارات أو "التورات" (الأبراج) السكنية الحديثة، الفخمة والكثيرة في "الدائرة الذهبية" من وسط منقلب الأشرفية الغربي إلى أسفله الذي يلامس وسط بيروت، تخالف مشهد شحوب القِدم وتخرجه من تجانسه الذي يبعث شيئًا من كآبة خافتة تناسب أحوال البلاد وأهلها اليوم، ليس في الأشرفية فحسب، بل في ضاحية بيروت الجنوبية أيضًا، بعدما فقدت قوة اندفاعها الصاخب أخيرًا، فحل محلها كمون كئيب. وهنا أضاف صديقُ الساكنِ الجديد إلى ملاحظاته هذه ملاحظةً أخرى عن سكان "التورات" الفخمة: إنهم لا يخرجون من شققهم السكنية الشاهقة إلا في سياراتهم الفارهة المركونة في طبقات كثيرة تحت الأرض في "التورات" نفسها. وأحيانًا قد لا تتجاوز المسافة التي يجتازونها في سيارتهم عشرات من الأمتار... أنظر، أنظر، ها هم يوقفونها وسط الشارع أمام المطعم الفخم، ويترجلون منها تاركين أبوابها مشرعة في انتظار الفاليه باركينغ. وأتخيّلُ أنهم يرغبون لو يدخلون بها إلى باحة المطعم الداخلية، إذا تسنى لهم ذلك. لكن ليست هذه الظاهرة الجديدة وأمثالها ما يهم ساكن الأشرفية الجديد. ما يستوقفه ويهمه هو شعوره بأن مشاهد الحياة اليومية في شوارعها تعيده إلى ذاك الماضي البعيد، زمن ما قبل بداية الحروب في البلاد سنة 1975، ومثول ذاك الزمن فيها الآن، كأنما الحرب لم تقع. وهو شعور لا ينطوي على حنين رومنطيقي، بل على انطباع يفيد أنَّ الحروب لم تغير نمط العيش ا