جاء الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة العملياتية الكاملة "فوق الأرض وتحتها" على مرتفعات علي الطاهر ليدشّن مرحلة جديدة في الحرب جنوبًا. ففي ظلّ تكتيك سار فيه بنيامين نتنياهو بين النقاط، عسكريًّا وسياسيًّا، تمكّن من تحقيق الهدف، متجنّبًا إحراج إدارة دونالد ترامب بإطلاق مواجهة واسعة النطاق، وتقليص الأكلاف البشرية في صفوف قواته بعد ضربة الدبابة الشهيرة للكتيبة 52 قبالة الطيبة. ويوحي الإعلان عن سقوط التلّة بهذه الطريقة بأنّه قطع الطريق على أيّ ردّة فعل من جانب إيران، التي كانت تهدّد بشنّ هجوم عسكري واسع ردًّا على أيّ محاولة اقتحام إسرائيلية للتلّة. في أيّ حال، من الواضح أنّ نتنياهو سيستخدم ورقة إسقاط علي الطاهر، أوّلًا في جولة المفاوضات التي باتت قريبة مع لبنان، في روما، منتصف الشهر الجاري، وثانيًا في الانتخابات الإسرائيلية العامة التي يحتاج فيها إلى إنجازات معيّنة لمواجهة خصومه، وفي مقدّمهم غادي أيزنكوت. وفي المقلب الآخر، يعمل نتنياهو على استثمار آخر له مفاعيله في استمالة الرأي العام في إسرائيل. ففيما تنشط واشنطن عبر سفيرها في بيروت ميشال عيسى، ونظيره في تل أبيب مايك هوكابي، للدفع باتجاه الجولة الثامنة من محادثات روما المباشرة بين لبنان وإسرائيل منتصف أيلول، جاء تسليم الأسرى اللبنانيين الخمسة عبر الصليب الأحمر الدولي كـ"مبادرة حسن نيّة"، ترعاها واشنطن، لكنّ نتنياهو يحاول عبرها إبداء التجاوب مع الرغبة الأميركية، وأيضًا إظهار حرصه على استعادة رفات اليهود الذين قضوا في لبنان في مراحل من الحرب اللبنانية. في أيّ حال، أكّد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس مجدّدًا بقاء القوات الإسرائيلية في "المنطقة الأمنية"، وعدم الانسحاب منها مطلقًا قبل التحقّق العملي من نزع سلاح حزب الله بالكامل، علمًا أنّ منافس نتنياهو الأساسي، رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، يدعو إلى احتفاظ إسرائيل بحزام أمني بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات في لبنان. هذه المعطيات تضع الدولة اللبنانية و"حزب الله" أمام تحدّيات معقّدة، تتطلّب دقّة في التعاطي لمنع تحويل الوقائع القائمة إلى احتلال دائم. من النقاط المتفرّقة إلى الحزام الأمني لا يمكن فصل السيطرة على مرتفعات علي الطاهر عن المسار الذي اعتمدته إسرائيل منذ بدء عملياتها البرّية في الجنوب. فتل أبيب لم تتقدّم هذه المرّة على جبهة واحدة، ولم تعلن حربًا شاملة ذات أهداف نهائية واضحة، بل عملت على تثبيت مواقع متفرّقة، وربطها تدريجيًّا بشبكة من النقاط العسكرية ومناطق الفصل والممرّات النارية. بهذا المعنى، تمثّل علي الطاهر عقدةً داخل خريطة أوسع، لا مجرّد مرتفع ذي قيمة عسكرية موضعية. فالموقع يشرف على مساحة واسعة من النبطية ومحيطها، ويتيح لمن يسيطر عليه مراقبة خطوط الحركة والوصل بين القرى، فضلًا عن التحكّم بمداخل المنطقة ونقاطها المرتفعة. ومن هنا، يصبح إعلان "السيطرة العملياتية" صيغةً مرنة تسمح لإسرائيل بتوسيع نفوذها من دون إعلان ضمّ الأرض أو احتلالها رسميًّا. فهي تفرض السيطرة بالنار والمراقبة، وتمنع الطرف الآخر من العودة، ثمّ تستخدم الغموض في توصيف وجودها لتفادي التزامات الانسحاب. والنتيجة واحدة، واقع عسكري جديد يتّسع تدريجيًّا، فيما يتحوّل المؤقّت إلى أمر قائم قابل للاستمرار. تكشف الرواية الإسرائيلية عن علي الطاهر أنّ العملية بدأت ليل 14 حزيران، ضمن خطّة هدفت إلى فصل شبكة الأنفاق الموجودة في المرتفعات عن النبطية ومحيطها. ولم يتّجه الجيش الإسرائيلي إلى اقتحام سريع، بل فرض طوقًا طويلًا حول المنطقة، قبل أن يعلن استكمال السيطرة عليها بعد أكثر من 14 أسبوعًا. وجاء هذا الحذر خصوصًا بعد إصابة دبابة قائد الكتيبة المدرّعة 52، المقدّم دور غداليا بن شمعون، قبالة بلدة الطيبة، ليل 18 و19 حزيران. وأدّى الاستهداف، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى مقتل قائد الكتيبة وثلاثة جنود آخرين. بعد هذه الضربة، أصبحت حماية القوات جزءًا أساسيًّا من إدارة المعركة. ولذلك، اعتمد الجيش الإسرائيلي على النيران عن بُعد، ووحدات الهندسة، والأنظمة الروبوتية المخصّصة لمسح الأنفاق، بدل إدخال جنوده في مواجهات مباشرة داخل شبكة معقّدة تحت الأرض. وبحسب ما نقلته "معاريف"، ضمّت الأنفاق غرف عمليات واتصالات وعيادات ومرافق لوجستية، واستخدمت مركزًا للقيادة والسيطرة تابعًا لما يسمّيه الجيش الإسرائيلي "قوّة بدر". وهذه رواية إسرائيلية لم تخضع بعد للتحقّق المستقلّ، لكنّها تكشف، في الأقلّ، حجم القيمة التي تريد تل أبيب إضفاءها على العملية. لم يكن التعتيم الإسرائيلي على العملية تقنيًّا فقط. فقد أتاح لنتنياهو مواصلة التقدّم من دون وضع إيران أمام لحظة علنية تفرض عليها الردّ، ولا سيّما بعدما نقلت تقارير عن مسؤولين مطّلعين أنّ طهران حذّرت واشنطن من ردّ قوي على أيّ هجوم إسرائيلي واسع على الم