انتشر قبل يومين نموذج لطلبات توظيف في وزارة الدفاع السورية، وفي إحدى كليات الهندسة. النموذج الألكتروني الذي جرى تداوله متشابه جداً بين الحالتين، إذ يُطلب من الراغب في التقديم الإفصاح عن عدد أجزاء القرآن التي يحفظها، والمسجد الذي "ينتمي" إليه، وأسماء علماء ومربّين في المساجد يحضر لديهم بشكل دوري طالب التوظيف! الإعلان أشبه بنكتة سوداء، لا يُستبعد أن يكون مزيَّفاً من قبل شخص أراد رميه ومراقبة ردود الأفعال عليه. لكن يبقى السؤال: لماذا مثل هذه الإعلان قابل للتصديق من قبل نسبة من السوريين، بينما لا نتخيَّل أنه قابل للتصديق من العموم في معظم بلدان العالم، ومنها بلدان المنطقة؟ ليست الإجابة أنَّ هذه السلطة "جسمها لبّيس"، وأن من يصدّقون مثل هذه الأخبار على عداء مسبق معها يدفعهم إلى التهويل أو الافتراء عليها. ففي مناسبات سابقة جرى تداول أخبار أو وثائق تم تكذيبها من قبل البعض، ثم تبيّنت صحتها رسمياً. مثلاً، سارع البعض إلى تكذيب خبر القرار الإداري لمدير في وزارة الزراعة، يُلزم الموظفات عملياً بالحجاب، من دون ذكره صراحةً، ومن ثم صدر توضيح من وزارة الزراعة نفسها ينص على صدور القرار حقاً من قبل المدير المذكور. في مثال آخر، تم تكذيب ما نشرته صفحة نقابة الفنانين في طرطوس حول الطلب من الفرق الموسيقية الزائرة لسوريا ألا تصطحب معها آلاتها! لكن التوضيحات من قبل النقابة المركزية أكّدت على نحو غير مباشر صحة ما ورد في صفحة فرع طرطوس، فإدخال الآلات ممنوع عبر المنافذ الحدودية، واستيرادها ممنوع عملياً لأنها غير واردة في التسعيرة الجمركية الصادرة عن السلطة الحالية؛ أي أن المنع هو على منوال ذلك المدير الذي لم يذكر كلمة الحجاب مباشرة. وإذا استطردنا في موضوع الآلات الموسيقية "المعازف"، نصل إلى ما نشره مؤخراً على صفحته مدير أوقاف إدلب، وهذه وظيفة رسمية. يردُّ مدير الأوقاف "الفقرَ وضعفَ الدخل وانقطاع الكهرباء والماء والغاز والوقود.. والبطالة وارتفاع الأسعار وتدهور البنية التحتية..." إلى وجود المعازف و"آلات اللهو"، مستشهداً بقول لابن القيم. وهكذا لا يبدو تصرفاً فردياً بلا سياق أن يخطّ شخص ما على حائط معهد موسيقي، بعد طلي الجدار بالأبيض، في الميدان-دمشق: المعازف حرام. يمكن مواجهة مثال المعازف بوقائع أخرى، تبدو مناقضة، لحفلات موسيقية في صالات حكومية، تُستخدم فيها آلات العزف من دون أن تُصادر. لكن هذا قياس شكلي فقط، والقضية أبعد من أن تكون في الموسيقى أو المعازف فحسب، وليست فقط في مدير يحاول فرض الحجاب ضمن ما يظنّها مزرعته، ومدير آخر لا يتصرف على النحو ذاته، في غياب تعليمات واضحة تطلب منه ذلك أو تردعه عنه. ثمة تفسيرات وتبريرات عديدة للتباينات "وحتى التناقضات" التي تظهر هنا وهناك، منها تلك التي ظهرت في بداية تسلم هذه السلطة، وتنص على أنها بحاجة إلى وقت لتكتسب المعرفة الضرورية للحكم، رغم تباهي أعلى مستويات السلطة بالخبرة المكتسبة من حكم إدلب. في التفسيرات أيضاً، أن مسؤولي السلطة ليسوا على رأي واحد، أو على البراغماتية ذاتها، ما يؤدي إلى ظهور التناقضات التي تعكس الاختلاف ضمن التركيبة الحاكمة. لا أحد يقدّم دلائل موثوقة على وجود أجنحة في الحكم، وعلى مَن يتزعم كل جناح وكبار المنضوين فيه، ليبقى الأمر في إطار التكهنات غير الجديدة على السوريين. ففيما مضى تداولوا أخباراً مماثلة عن مراكز قوىً في عهد حافظ الأسد، منها التباين بينه وبين شقيقه رفعت، وفي بداية عهد وريثه سرت الأقاويل عن "الحرس القديم" الموروث الذي يمنعه من المضي في برنامجه الإصلاحي، ثم عن الخلافات بينه وبين شقيقه ماهر. في كل الأحوال، كان هذا الصنف من الأقاويل مقبولاً على نطاق واسع من أجل تفسير التناقضات، من دون توقّف كافٍ عند ما يجب أن يكون من مبادئ الحكم لجهة وجود قواعد عامة لا تخضع لأمزجة الأشخاص، فضلاً عن عنصر الانسجام الذي يُفترض توفّره في كل سلطة، بما لا يمنع التعدد والاجتهاد المتوافقين مع المبادئ والقوانين العامة. المشكلة التي لا يُنظر إليها بجدية هي ما يمكن تسميته بـِ "اللايقين"، حيث يؤدي انتشاره ورسوخه إلى انعدام الثقة، سواء عُبِّر عنه مباشرة أو بأفعال تنطوي على تدني الثقة أو غيابها. اللايقين بطبيعته يدفع إلى الحرص والحذر، وبهذا المعنى يأخذ المعنيين به الاحتمال الأسوأ بجدية تفوق التعويل على الاحتمال المخالف له، ويمكن التعبير عن هذا بأن معظم الناس يفضّلون التعامل مع يقين سيء بالمقارنة مع لايقين يظهر أقل سوءاً. واليقين السيء، بتعبير اقتصادي، هو اعتماد "معيار الأسف"، أي الاحتمال الأكثر سوءاً. نعود للتأكيد على أنَّ الأمر لا يتعلق فقط بقضايا تهميش النساء أو اعتماد تأويلات دينية في العديد من القضايا، منها المعازف. فغياب البيئة القانونية الواضحة والصارمة لا بد أن يرفع منسوب اللايقين ويعممه، ويجوز ببساطة شديد