بمناسبة مرور 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، تُقام في عدد من المتاحف الفرنسية معارض ونشاطات للتعريف بتاريخ الصداقة الفرنسية-الأميركية وبالإبداعات الثقافية والفنية الأميركية. ضمن هذا التوجّه، يكرّم متحف الفن الحديث والمعاصر في مدينة سان إتيان الفنَّ الأميركي الحديث والمعاصر، فيُقام برنامج حافلاً يشتمل على معارض وإصدارات قيّمة، من أهمها معرض للفنان الأميركي فرانك ستيلا (1936-2024)، أحد أبرز رموز الحداثة الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. للمرة الأولى منذ تسعينيات القرن الماضي، يخصّص متحف فرنسي معرضاً شاملاً لهذا الفنان الرائد في بلاده، مع التركيز على أبحاثه التشكيلية التي تغطي مرحلة زمنية جاوزت الستين عاماً. وعلى مساحة ألف متر مربع، وُزّعت لوحاته ورسومه، المتفاوتة الأحجام والألوان، وفق تسلسلها الزمني. في القسم الأول، نتعرّف إلى مرحلة البدايات بعدما أتمّ دراسته للفنون في أكاديمية فيليبس المعروفة وجامعة برنستون. نيويورك تصنع فناناً تجريدياً راديكالياً اتّجه إلى التجريد بعد اطّلاعه على نتاج فنانين معروفين، كهانز هوفمان ومارك روثكو. وأدّى انتقاله إلى الإقامة في نيويورك إلى التعرّف إلى أجواء فنية جديدة انعكست على توجّهاته، كما يتجلّى في لوحاته ذات الخطوط السوداء التي عُرضت عام 1959، وفرضته على الساحة الفنية النيويوركية بوصفه فناناً تجريدياً راديكالياً، بعيداً من التجريد التعبيري الانفعالي الذي عرفناه لدى فنانين أميركيين مكرّسين، أمثال جاكسون بولوك وويليم دي كونينغ. تحتلّ هذه اللوحات السوداء قاعة بأكملها في المعرض، بموازاة محفورات مهّدت لما يُسمّى "فن الحدّ الأدنى" أو الفن التبسيطي، أي "المينيماليزم". ومن مرحلة الستينيات، نتعرّف إلى أعماله الكبيرة الحجم، ذات الأشكال غير المنتظمة بأنماط هندسية. ونشاهد من هذه المرحلة أعماله المعروفة، إلى جانب شهادات إنسانية وصور فوتوغرافية للمخرج السينمائي التجريبي هوليس فرامبتون (1936-1984)، الذي كان من أصدقاء ستيلا. تابع فرانك ستيلا، طوال مرحلتي السبعينيات والثمانينيات، أبحاثه الفنية، وهي موضوع القسم الثاني من المعرض. وتُظهر هذه الأبحاث عدم التزامه بأسلوب واحد، بل تؤكّد عودته إلى الألوان والأعمال الثلاثية الأبعاد. كذلك أدخل موادّ جديدة في لوحاته، منها الألمنيوم والزجاج والخشب. يكشف المعرض عن ثقافة الفنان وحبّه للأدب، وبالأخص رواية "موبي ديك" (1851) للكاتب الأميركي هيرمان ملفيل، التي تدور حول صراع تراجيدي بين قبطان سفينة وحوت عملاق يطارده. ونشاهد في المعرض سلسلة من المحفورات والمنحوتات المستوحاة من هذه الرواية الكلاسيكية، تقوم على تقنيات متنوعة، منها الكولاج والقصّ واللصق، مع التشديد على الألوان الحارّة والمفردات التجريدية ذات الأجواء الغرائبية. عرف فرانك ستيلا الشهرة وحظي بالاعتراف بموهبته قبل بلوغه الثلاثين من عمره، وكرّمته المتاحف الأميركية وهو على قيد الحياة؛ فخصّص له متحف الفن الحديث في نيويورك معرضين كبيرين عامي 1970 و1987، كما أُقيمت له معارض في عدد من المدن الأميركية، منها لوس أنجلوس وهيوستن. وكان غزير الإنتاج، وتُنسب إليه مئات الأعمال الفنية، ولم يتوقف يوماً عن التجريب، باحثاً باستمرار عن أشكال جديدة لتجسيد أفكاره، كما يتبيّن في منحوتاته الملوّنة الضخمة والثلاثية الأبعاد التي أنجزها للأماكن العامة. وهي تتقاطع أحياناً مع رؤية المعماري الأميركي الشهير فرانك غيري (1929-2025)، مصمّم متحف غوغنهايم بلباو ومؤسسة لوي فويتون في باريس.