الموسيقيّ البرازيلي Claudio Queiroz (صور الفنان) لم يولد في لبنان، ولم يحمل من عائلته أي جذور لبنانية، ولا تربطه بوطن الأرز أي صلة دم أو نسب. هو برازيليّ أبًا عن جدّ، لكن لبنان استطاع أن يجد طريقًا إلى قلبه من بوابة الموسيقى، قبل أن يجد طريقه إلى لغته وحياته وذاكرته. إنّه الموسيقيّ البرازيلي كلاوديو كيروز (Claudio Queiroz)، الذي لم يكتفِ بأن يهوى الموسيقى اللبنانية، بل قرّر تعلُّم العربية، وتحديدًا اللهجة اللبنانية، حتى يفهم كلمات الأغنيات التي أحبّها. ومع الوقت، تحوّل الإعجاب إلى عشق، والعشق إلى علاقة وجدانية عميقة ببلد يشعر، كلّما حطّت طائرته على أرضه، أنه عاد إلى وطنه. بدأ كلاوديو كيروز بالاستماع إلى الموسيقى الشرقية منذ سنوات مراهقته، وأحبّ ألحانها وأجواءها بشدّة، رغم أنه في ذلك الوقت لم يكن يفهم كلمة واحدة من الأغنيات التي يسمعها. يقول لـ«نداء الوطن» إنّ اللغة لم تكن عائقًا أمامه، فالإيقاع والمشاعر التي تحملها الموسيقى العربية كانا كافيَين لتجذبه إليها. شيئًا فشيئًا، بدأ يشعر بأنّ خلف الكلمات التي لا يفهمها عالمًا يريد اكتشافه. وقد كان لأصدقائه اللبنانيين في البرازيل دور أساسي في تكوين هذه الصورة، إذ كان يسمع منهم دائمًا كلامًا إيجابيًّا عن لبنان، وعن جماله وشعبه والحياة فيه، الأمر الذي جعله يحلم يومًا بالتعرّف عن قرب إلى هذا البلد. هكذا، جاء إلى لبنان بهدف تعلّم موسيقاه والتعرّف إلى البلد، لكنه لم يكن يتوقع أن ينتهي به الأمر بالوقوع في حبّه. في ساو باولو، المدينة التي تضم أكبر جالية لبنانية خارج لبنان، شغّل أحد معارف كلاوديو كيروز، وهو من أصل لبناني، مجموعة من الأغنيات اللبنانية. لم يحتج الأمر إلى كثير من الوقت حتى بدأ الجميع بالدبكة والرقص والاستمتاع بالموسيقى. وجد كلاوديو نفسه منجذبًا بشكل خاص إلى الأغنية اللبنانية، وبدأ يتعرّف إلى أسماء كبار الفنانين، من فيروز ووديع الصافي إلى نهاد طربيه وسواهم من كبار الفن اللبناني. المفارقة أن كل ذلك حدث قبل أن يتعرّف إلى اللغة العربية، فقد كان يحبّ الأغنية بقلبه، وليس بعقله. هنا اتخذ كيروز قرارًا لم يكن عاديًّا بالنسبة إلى موسيقي أجنبي: تعلُّم اللغة العربية، بلهجتها اللبنانية تحديدًا، حتى يتمكّن من فهم كلمات الأغنيات التي أحبّها. لكنّ رحلة تعلُّم العربية لم تكن سهلة. فأصعب ما واجهه، بحسب ما أسرّ لنا، كان النطق، ولا سيّما نطق بعض الحروف العربية التي لا وجود لها بالطريقة نفسها في اللغات اللاتينية التي اعتادها، مثل الحاء والطاء وسواهما. رغم ذلك، لم يتراجع. كان الدافع وراء التعلّم أكبر من صعوبة اللغة، فقد أراد كلاوديو كيروز فهم الأغنيات التي أحبّها، والاقتراب أكثر من الثقافة التي تقف خلفها. وهكذا أصبحت اللغة بالنسبة إليه جسرًا جديدًا نحو لبنان. من البيانو إلى الموسيقى الشرقية في الأساس، بدأت علاقة كيروز بالموسيقى في سن مبكّرة جدًّا. منذ سن التاسعة، بدأ تعلُّم العزف على البيانو، مدفوعًا بحبّه للموسيقى الكلاسيكية. لكنّ صداقاته مع لبنانيّي البرازيل قادته لاحقًا إلى اكتشاف عالم موسيقي مختلف تمامًا. كان أحد أصدقائه اللبنانيين سببًا في انتقاله إلى مرحلة جديدة، بعدما أحضر له أورغًا شرقيًّا، بدأ كيروز من خلاله التعرّف إلى الموسيقى الشرقية، قبل أن ينتقل لاحقًا من الأورغ إلى العزف على آلة القانون، رغبةً منه في الغوص أكثر في تفاصيل هذا العالم الموسيقي. وهو يرى في الموسيقى الشرقية خصوصية كبيرة،لا سيّما من ناحية المقامات التي يعتبر أنها تمنحها هوية مميزة وغير موجودة في موسيقات أخرى. حين يتحدّث كلاوديو كيروز عن لبنان، لا يبدأ بالجبال ولا بالبحر ولا بالمطبخ... بل باللبنانيين. فأكثر ما يحبّه في بلدنا هو الحياة الاجتماعية والشعب الطيّب. ويعترف أنه يهوى طريقة عيش اللبنانيين، وحياتهم القائمة على اللقاءات والعلاقات والصداقات، وهي أمور يشعر أنه يفتقدها في البرازيل. لكلاوديو كيروز اليوم أصدقاء لبنانيون كثر، كانوا جزءًا من الطريق الذي جعله يشعر بأن لبنان بيته الثاني. ويصف الشعب اللبناني بأنه شعب إيجابيّ محبّ للحياة، معتبرًا أن هذه الروح تظهر رغم كل الصعوبات والأزمات التي يمر بها البلد. أما الكلمة الوحيدة التي تصف علاقته بلبنان فهي «العشق»، كما يقول. هو لا يتحدث عن إعجاب عابر ببلد أو ثقافة، بل عن علاقة وجدانية يعتبرها استثنائية. ويقول إنه في كل مرة تحطّ فيها طائرته في لبنان، يشعر براحة وسعادة كبيرتَين، وكأنه يعود لزيارة أهله وناسه ووطنه الأم. لكن المفارقة التي تجعل قصته أكثر تأثيرًا أنه لا رابط عائليًا له في لبنان، فهو، كما يؤكد، برازيليّ مئة في المئة، أبًا عن جدّ. مع ذلك، يبدو أنّ الوطن بالنسبة إلى كلاوديو كيروز ليس المكان الذي يولد فيه الإنسان، بل قد يكون المكان الذي يجد فيه نفسه، ويشعر فيه بالانتما