من ضفتي الحدود، يعبر المراسلون الأجانب الى المنطقة المحتلة في جنوب لبنان. يوثق هؤلاء دماراً مخيفاً، حيث سوّت التفجيرات الإسرائيلية، منازل المدنيين، بالأرض، وحوّلت المنشآت الحيوية الى ركام تستحيل بعدها إعادة الحياة الى المنطقة الحدودية، على الأقل خلال السنوات القليلة المقبلة. من الجهة الإسرائيلية، أدخلت قوات الاحتلال، صحافيين أجانب وعرباً، خلال الأسبوع الماضي.. ومن الجهة اللبنانية، واكب فريق "بي بي سي" قافلة لقوات "يونيفيل" الى المنطقة الحدودية، وجال معهم في طرق كانت الآليات الإسرائيلية تمر عليها بمحاذاتهم وسط الدمار. بدوره، واكب فريق قناة "سي أن أن"، قافلة للبنانيين يتحدرون من بلدات رميش ودبل وعين إبل، التي تسكنها غالبية مسيحية في قضاء بنت جبيل، وهي قافلة تنظمها "يونيفيل" بشكل شبه يومي، وتنطلق من نقطة تجمع عند نهر الليطاني في منطقة القاسمية، وتواكبها سيارات الجيش اللبناني حتى بلدة القليلة، ثم تكمل سيارات "اليونيفيل" الى جانبهم باتجاه البلدات الحدودية الثلاث. بات الدمار في جنوب لبنان "صندوق فرجة" للعالم. تتصدر مًشاهده، شاشات القنوات الإخبارية العالمية. في الضفة اللبنانية، يقول الجيش اللبناني إن إسرائيل لم تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار وتكمل اعتداءاتها بالتجريف والنسف والتفجير.. ومن الضفة الإسرائيلية، يتحدث ضباط في الجيش الإسرائيلي عن "إنجازات" أمنية! إنجازات تتمثل في التدمير والتجريف وإعدام الحياة في المنطقة. تختلف الروايتان من جهتين متقابلتين. يتحدث الجيش اللبناني بألم عما يجري، ويقدم توصيفاً دقيقاً لـ"الاعتداءات" و"عدم الالتزام الإسرائيلي".. أما الجانب الإسرائيلي، فيتحدث مزهواً بما ارتكبت أيدي جنوده. فالإنجاز بالنسبة إلى جيش احتلال، هو التدمير وإعدام الحياة. وهو أمر ليس غريباً عن أدبياته. اللافت في الجولات، أن مراسلَي "بي بي سي" و"سي أن أن"، قدّما، كل من جهته، رواية موضوعية وغير منحازة. يغرق المراسلان في وصف الحال بطريقة دقيقة جداً. يقول مراسل "بي بي سي" هيوغو باشيغا: "قيادة السيارة في الطريق السريع بمحاذاة البحر الأبيض المتوسط جنوبي لبنان، وقرب الحدود مع إسرائيل، جميلة وموحشة في هذه الأيام. المحاصيل الزراعية متروكة، والمباني التي تعرضت لغارات جوية إسرائيلية لا تحصى، تحولت إلى ركام". أما مراسل "سي أن أن" جيريمي دياموند، فيقول في تغطيته: "أثناء القيادة جنوبًا على طريق ساحلي في جنوب لبنان، تتبدّل فجأة الأعلام اللبنانية وأعلام حزب الله التي تصطف على جانبي الطريق، لتحلّ محلها الأعلام الإسرائيلية. وبعد وقت قصير، تظهر نقطة تفتيش إسرائيلية، حيث يقف جنود للمراقبة من شرفات منازل امتلأت آثارها بالشظايا. ثم يتحول المشهد إلى أرض مسطحة: قرية تلو الأخرى، ومنزلًا تلو الآخر، تحوّلت كلها إلى أنقاض". خلافاً لتجربة وسائل الإعلام الأجنبية في تغطية الحرب في غزة، تتسم تغطية "سي أن أن" و"بي بي سي" بـ"حياد مطلق". اكتفى الفريقان بتوصيف الحال، ونقل معاناة الناس، وتصوير ما يلتقي مع الضرورات الإنسانية في التغطية. تحررا في جولتهما، من ضغوط الجيش الإسرائيلي، أو أي اضطرار لنقل الرواية الإسرائيلية ميدانياً، كونهما لم يرافقا الجيش الإسرائيلي. اختار الفريقان عبوراً منسقاً مع جهة دولية محايدة (اليونيفيل) تعفيهما من استصراح إسرائيليين. التغطيتان توثقان الإجرام الإسرائيلي، من دون وصفه بهذا الشكل. الصورة هنا، والتصوير بالكلمات، يؤكدان الوصف، من دون تبنّيه صراحة.. أجاد الفريقان انتزاع فرصة تتيح لهما قول ما ينسجم مع التزامهما المهني. على النقيض، اضطرت فرق إعلامية أجنبية لبناء القصة على رواية الجيش الإسرائيلي، بعد الدخول برفقته الى جنوب لبنان، في الخيام وبنت جبيل وغيرها. أما قناة "الحدث"، فالتقطت صوراً لبنت جبيل من موقع مرتفع في مارون الراس، بعد دخول مراسلها إلى الجنوب من الجهة الإسرائيلية للحدود. في تقرير "سي أن أن"، يقول المراسل: "سوّت القوات الإسرائيلية معظم القرى بالأرض بشكل منهجي، فيما أكد سكان القرى المسيحية المتبقية سماعهم يوميًا عمليات هدم مُتحكًّم بها في البلدات والقرى المجاورة". ويضيف: "مع استمرار رحلتنا، يلتوي الطريق وسط مشهد يشبه نهاية العالم، إلى أن تظهر الحياة فجأة من العدم. مبانٍ ما زالت قائمة، وسيارات تتحرك في الشوارع، وأطفال يركبون دراجاتهم، في ما يبدو أن الحياة مستمرة بصورة طبيعية". يشير إلى أن قرى رميش وعين إبل ودبل "نجت إلى حد كبير" من القصف وعمليات الهدم الإسرائيلية، إلا أن سكانها – ومعظمهم من المسيحيين – باتوا معزولين عن بقية لبنان، ولا يستطيعون الدخول إليها أو الخروج منها من دون الانضمام إلى قافلة تنظمها الأمم المتحدة. وتضطر "كاريتاس"، وهي منظمة كاثوليكية غير ربحية تساعد في تنظيم بعض هذه القوافل، إلى طلب إذن من الجيش الإسرائيلي، لكل