جوني منير-الجمهوريةلم يكن اختيار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لباتريك دوريل سفيراً في بيروت تعييناً عادياً تماماً، ولو أنّه كان رسمياً جزءاً من التداول الديبلوماسي الطبيعي. فالمهام التي تنتظر دوريل كثيرة ودقيقة، خصوصاً مع تراجع قدرة التأثير الفرنسي في مجرى الأحداث اللبنانية. ولا شك أنّ إحدى أبرز مهامه، تبقى في محاولة استعادة هذا الحضور المؤثر، إثر تعاظم الدور الأميركي على حساب الدور التاريخي لفرنسا، وسط تبدّلات هائلة أصابت منطقة الشرق الأوسط برمتها ولفحت الساحة اللبنانية. وهذا لا يعني بالضرورة أنّ مهمّة دوريل منافسة الأميركيين، لكن للقول، إنّ باريس تريد الإحتفاظ بمقعدها ولو إلى جانب المقعد الأميركي.باتريك دوريل ليس سفيراً تقليدياً لبلاده، فسجله الشخصي حافل، وهو عمل في دمشق والدوحة والرياض ثم في الإيليزيه كمستشار رئاسي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبعدها تولّى مهام سفارة بلاده في بغداد، قبل أن ينتقل منها مباشرة إلى قصر الصنوبر التاريخي في بيروت. وهو ما يعني أنّ ماكرون أرسل إلى لبنان ديبلوماسياً يعرف لبنان ويعرف المنطقة وتشابكاتها وتعقيداتها، ويعرف الإيليزيه ويحظى بثقة رئيسه. وهذا ما تتطلّبه المرحلة.لكن تجارب دوريل مع الملف اللبناني منذ أن واكبه بدءاً من العام 2019 لم تكن ميسّرة. فرغم الأثر الطيب الناجم عن الزيارتين المتتاليتين لماكرون إلى بيروت بسبب انفجار مرفأ بيروت، إلّا أنّ «سقطة» ماكرون خلال ترؤسه طاولة الحوار مع القوى اللبنانية المختلفة أحدثت «نقزة» وطرحت علامات استفهام عدة. يومها تحدث ماكرون عن «عقد إجتماعي جديد»، وهو ما جرى إدراجه في خانة «المؤتمر التأسيسي»، والذي كان يتهم «حزب الله» بأنّه يسعى إليه لتغيير التوازنات الدستورية التي أرساها إتفاق الطائف. وجاءت السقطة الماكرونية الثانية خلال فترة الفراغ الرئاسي. يومها فشلت باريس في تمرير مشروع إيصال سليمان فرنجية الى قصر بعبدا. وبدت باريس وكأنّها خارج المشهد كلياً خلال الحرب الإسرائيلية عام 2024، والتي أنتجت في وقت لاحق سلطة سياسية جديدة ترتكز على توازنات أميركية وسعودية على أنقاض التوازنات السلطوية السابقة، والتي كانت تحت التأثير الإيراني.لكن هذا الأمر لم يمنع باريس من المشاركة في جانب من مفاوضات وقف إطلاق النار للحرب القائمة، وحصولها على مقعد في الجموعة التي أُنيطت بها مهام آلية المراقبة، أو ما عُرف لاحقاً بفريق «الميكانيزم». لكن هذه المشاركة بقيت شكلية ومن دون تأثير حقيقي، وسط سعي أميركي - إسرائيلي واضح لدفع فرنسا خارجها، وهو ما تحقق لاحقاً في شهر نيسان الماضي، مع إنهاء عمل «الميكانيزم» من دون عناء إخطار باريس بالأمر حتى، والإنتقال الى صيغة ثلاثية جديدة تجمع بيروت بواشنطن وتل أبيب في غرف المفاوضات. وانسجاماً مع أسلوبه الفج، أبدى البيت الأبيض تأييده لطلب إسرائيل بإبعاد فرنسا عن أي دور في جنوب لبنان من ضمن الدول المرشحة لتتولّى مهمّة لجنة التحقق.لا شك أنّ فرنسا، والتي خسرت معظم ساحات نفوذها الخارجية، خصوصاً في أفريقيا، خلال وجود ماكرون في الإيليزيه، تسعى لعدم خسارة ساحتها اللبنانية التاريخية، والتي باتت تشكّل آخر موطئ قدم لها في المنطقة. ولذلك عمدت باريس إلى «التطنيش» على الأسلوب الفظ للرئيس الأميركي، والسعي لإعادة رسم سياسة جديدة لها في لبنان، تجمع ما بين الوقائع الجديدة والإمساك جيداً بما تبقّى لها من أوراق قوة، لناحية تمثيلها الأوروبي أو لناحية حضورها المتنوع على المستويات اللبنانية كافة. وهي بعد أن سلّمت بالحصرية الأميركية لملف المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إضافة الى ملف «حزب الله»، سعت لتكريس دورها من باب دعم الجيش والإستثمارات الإقتصادية وإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية، إضافة إلى الحدود البحرية اللبنانية والحدود البرية مع سوريا. والأهم أنّ باريس تبدي رغبتها بالبقاء في جنوب لبنان بعد رحيل قوات الطوارئ الدولية، من خلال المشاركة في القوات المتعددة المزمع تشكيلها. وفي المناسبة، هنالك عتب فرنسي صامت وكبير على ما يوصف بالتراخي اللبناني إزاء محاولات إخراج فرنسا من لبنان. وهي إحدى المهام الأساسية المطلوبة من باتريك دوريل. فماكرون يريده سفيراً يعمل بقوة مع دوائر القرار اللبنانية، وليس مجرد إدارة ديبلوماسية كلاسيكية لهذه العلاقات. مع الإشارة إلى أنّ السياسة الفرنسية تتلاقى مع الطرح اللبناني، والداعي لتثبيت وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل بالتوازي مع سحب سلاح «حزب الله» وحصره بيد الدولة اللبنانية، ولكن من دون دفع الأمور باتجاه المواجهة العسكرية. وتبدي باريس رغبتها بالمساهمة بإعادة إعمار الجنوب. استكشافالمنتجات والخدمات الشرق أوسطيةواستطراداً، فإنّ باريس تريد من دوريل متابعة تنفيذ الإتفاق اللبناني-الإسرائيلي ودعم الجيش ومؤسسات الدولة اللبنانية والمشاركة في ترتيبات