تتحول سوريا الجديدة إلى ساحة تقاطع مصالح إقليمية ودولية، لكن التنافس التركي - الإسرائيلي يبدو الأكثر حساسية، وسط تحذيرات متبادلة وتحركات عسكرية رفعت مستوى التوتر، فيما تحاول واشنطن منع انزلاق حليفتيها إلى مواجهة أوسع. وبحسب مصادر "العربية" و"الحدث" في واشنطن، أبلغت إسرائيل الولايات المتحدة منذ أشهر، كما أبلغت تركيا مباشرة وعبر واشنطن، رفضها أي وجود تركي على الأراضي السورية. في المقابل، ترى أنقرة أن لها أدوارًا متعددة مع الدولة السورية الجديدة، مستندة إلى حضور عسكري في الشمال منذ سنوات، وتسعى إلى تثبيت نفوذها باتجاه دمشق قدر المستطاع. وأكدت المصادر أن أنقرة تلقت تحذيرات إسرائيلية بشأن تحركاتها العسكرية، لكنها أصرت على مواصلة نوع من الانتشار، فيما رصدت القوات الإسرائيلية هذه التحركات واعتبرت حكومة بنيامين نتنياهو أنها تمثل تمركزًا عسكريًا تركيًا في قاعدة أبو الظهور. وبحسب المصادر، أرسلت إسرائيل إلى الولايات المتحدة صورًا ومعلومات ووثائق قالت إنها تثبت استمرار انتشار الجيش التركي رغم التحذيرات، قبل أن تشن الطائرات الإسرائيلية غارات على المطار، في عملية وصفتها إسرائيل بأنها "صغيرة ومحدودة"، مع اعتبارها أن بلوغ هذا المستوى من التوتر مع السوريين والأتراك مسألة جدية. وفي خلفية المشهد، لا يخفي الإسرائيليون وجود مشكلة لديهم مع السفير الأميركي في أنقرة والموفد الخاص إلى سوريا والعراق توم برّاك، فيما تؤكد المصادر أن واشنطن سعت خلال ذروة التوتر إلى الظهور بموقع محايد بين حليفتيها. إسرائيل، من جهتها، تقول إن واشنطن كانت على الأقل موافقة على تحركاتها وربما دعمتها أيضًا، فيما أفادت مصادر دبلوماسية بأن الأطراف اتفقت على عدم التصعيد، وأن اجتماع عمّان أعاد توضيح المواقف. لكن الخلاف بقي قائمًا. فتركيا، المدعومة من أجنحة داخل الإدارة الأميركية وفي مقدمها برّاك، تريد دورًا أكبر في سوريا، بينما تحذر إسرائيل من تمدد النفوذ التركي أمنيًا واقتصاديًا، وترفض، بحسب المصادر، استبدال النفوذ الإيراني بنفوذ سياسي وأمني تركي، كما ترفض وجود من تعتبرهم "إرهابيين" على حدودها. وفي هذا السياق، نقلت المصادر أن أبرز رسالة إسرائيلية للسوريين خلال اجتماع عمّان الشهر الماضي كانت: "لا تسمحوا لتركيا باستغلالهم". أما واشنطن، فلم تجد بعد حلًا واضحًا بين الطرفين، إذ ترى أن لكل منهما أسبابًا وجيهة، وتعتبر أن تركيا تؤدي دورًا إيجابيًا في سوريا، خصوصًا في مكافحة داعش والتعاون مع الحكومة السورية وأجهزتها الأمنية والعسكرية. وقال مسؤول أميركي لـ"العربية" و"الحدث" إن الولايات المتحدة سحبت قواتها من سوريا، لكنها تواصل مراقبة الوضع عن بُعد "بشكل مقصود"، مشيرًا إلى نقل عدد كبير من معتقلي داعش الخطرين إلى العراق لضمان بقائهم في سجون آمنة. وأكد أن واشنطن تواصل مراقبة الوضع، وأن قواتها في وضعية تسمح لها بمواجهة أي تهديدات من داعش. ورغم التأكيد الأميركي على الجاهزية لمواجهة هذه المخاطر، لم تتوصل واشنطن وأنقرة وإسرائيل بعد إلى تفاهم واضح بشأن سوريا. فتركيا قلقة من التحركات الإسرائيلية، بينما تصر إسرائيل على رفض تمركز تركي عسكري وسياسي في سوريا، وتقول إنها لا تثق بأنقرة ولا بتوم برّاك.