كان عبد الله عايش جالساً عند حاجز العامرية، يراقب الطريق المؤدية إلى الناقورة، وفي عينيه انتظار طويل لا يعرف كيف ينتهي. منذ الصباح، كان والد حسين يتنقل بين الجالسين، يصغي إلى كل خبر، ويراقب السيارات القادمة من جهة الناقورة، علّه يلمح بينها ابنه الذي غاب عنه أكثر من شهرين، من دون أن يعرف إن كان حياً أو ميتاً، أو أين هو. لم يكن يعرف متى سيرى حسين، ولا حتى ما إذا كان سيعود اليوم. كان ينتظر، بنصف يقين وكثير من الخوف. للحظات، لم يجد الأب ما يقوله. جاءه صوت ابنه بعد غياب طويل، فغلبت الدموع الكلمات، وارتجف صوته. حمل الهاتف وركض نحو والدته، التي كانت تنتظر بدورها خبراً عن ابنها. وحين سمعت صوته، لم تتمالك نفسها، وقالت له: "حبيبي، تقبرني، الحمدلله على سلامتك. نحن ننتظرك، أنا ووالدك وأخوك". لم يكن ذلك الاتصال مجرد مكالمة هاتفية. كان أول دليل يصل إلى عائلة عياش منذ أسابيع طويلة بأن حسين ما زال على قيد الحياة، وأن الطريق هذه المرة تقوده إلى البيت. في الناقورة، كان أربعة أسرى يخرجون من السجون الإسرائيلية، بعدما كان مصيرهم مجهولاً بالنسبة إلى عائلاتهم، وحتى خارج لوائح الأسرى الرسمية التي كانت متداولة. أربعة أسماء ظهرت فجأة بعد أشهر من الغياب: اللبنانيان حسين عبد الله عياش وعلي شور، والسوريان أسعد الحسيكة ووسام إبراهيم الصمادي. كان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد احتجز ثلاثة منهم في حزيران، بعد إعلان وقف إطلاق النار، فيما أُسر أحمد الحسيكة في 7 آذار، مع تجدد الحرب، بعدما أوقف في بلدة الخيام. وطوال تلك الفترة، لم تكن عائلاتهم تعرف أين هم، أو ما إذا كانوا أحياء أم لا. يوم أمس بدأت أسماء الأسرى الأربعة تتسرب، واكتشفت عائلاتهم للمرة الأولى أن أبناؤهم، الذين انقطعت أخبارهم، ما زالوا على قيد الحياة، وأن انتظارهم لم يكن انتظاراً للمجهول فقط، بل انتظاراً لعودة ممكنة. شهران من الانتظار والاحتمالات حسين عبد الله عياش، ابن بلدة حاروف في قضاء النبطية، يبلغ من العمر 32 عاماً، وهو غير متزوج. كان قد عاد مع عائلته إلى البلدة بعد إعلان وقف إطلاق النار. وفي إحدى الليالي، خرج لجلب الطعام، ثم انقطع الاتصال به. ومنذ ذلك الوقت، بدأت العائلة رحلة البحث عن أي معلومة تقود إليها. يقول والده عبد الله عياش لـ"المدن" إن العائلة عاشت "شهرين صعبين جداً"، بعدما أبلغتهم الأجهزة الأمنية بأن آخر إشارة لهاتف حسين كانت في كفرتبنيت. لكن ما وصلهم بعد ذلك لم يكن سوى روايات متناقضة، لا تحمل أي إجابة حاسمة. ويشرح: "كل فترة كان يخبرنا أحدهم بشيء مختلف. مرة يقولون إنه قُتل، ومرة إنه أسر، ومرة إنه احترق". هكذا عاشت العائلة بين احتمالات الموت والأسر، من دون أن يملكوا معلومة واحدة مؤكدة. إلى أن جاء صوت حسين من الهاتف. يقول شقيقه محمود عياش لـ"المدن": "كنا عائلة لا تعرف مصير أخي، ونعيش على أعصابنا. نتمنى أن يُفرج عن جميع الأسرى، وأن تشمل الحرية كل مواطن لبناني. ونشكر كل من سعى إلى إطلاق سراحهم، فالحرية ثمن لا يعوّض". أما وسام إبراهيم الصمادي وعلي شور، فجمعتهما سيارة أجرة في الرحلة التي انتهت بهما إلى الأسر. وسام، البالغ من العمر 36 عاماً، كان يعمل سائق سيارة أجرة، وكان برفقته علي شور، البالغ 43 عاماً. وصل الرجلان إلى أطراف بلدة حداثا، قبل أن تحاصرهما القوات الإسرائيلية وعصبت أعينهما وأسرتهم. يقول شقيق وسام وزوج شقيقة علي شور، رضوان الصمادي، لـ"المدن": "حتى يوم أمس، لم نكن نعرف مصيرهما. كان كل شخص يخبرنا برواية مختلفة، والحمدلله أنهما خرجا". لم تكن العائلة تملك طوال تلك الأشهر سوى الأخبار المتناقلة، من دون جهة تستطيع أن تؤكد لها ما جرى. لذلك، كان ظهور اسمي وسام وعلي بين الأسرى الذين أُعلن عنهم، أمس، بمثابة أول معلومة موثوقة عن مصيرهما، قبل أن يتحول الانتظار اليوم إلى عودة. أما أسعد الحسيكة، فكان يعمل في مجال الدجاج في بلدة الخيام. وبحسب عائلة الأسير المحرر أنه في 7 آذار 2026، كان يحاول تحميل الدجاج في سيارة تمهيداً لإخراجه من المنطقة، حين اندلعت اشتباكات بين حزب الله والجيش الإسرائيلي. هناك، وقع في الأسر. ومنذ ذلك الوقت، بقيت عائلته من دون معلومات واضحة عن مصيره، شأنه شأن الأسرى الذين لم تكن أسماؤهم مدرجة في اللوائح الرسمية المتداولة. اليوم، يعود الحسيكة من الناقورة، منهياً مرحلة طويلة من الغياب والانتظار، فيما تبقى تفاصيل فترة احتجازه وما جرى معه خلالها بحاجة إلى إجابات. انتظار لا ينتهي عند حاجز العامرية لكن حاجز العامرية لم يكن ينتظر عنده أهالي الأسرى الأربعة وحدهم. فبينما كانت عائلاتهم تترقب لحظة ظهور أبنائها، كانت عائلات أخرى تقف في المكان نفسه، وتبحث في وجوه العائدين عن قريب غاب منذ أشهر. جاءت عائلة محمد شقير، إبن بلدة الناقورة على أمل أن يكون اسمه بين أسماء المفرج عنه