بعد موجة اعتراضات واسعة على الفواتير الخيالية للمولّدات الخاصة، تحرّكت الحكومة متأخرة وعقدت اجتماعاً استثنائياً في السراي الحكومي، انتهى إلى الإعلان عن حملة مشتركة بين وزارة الاقتصاد والأجهزة الأمنية للتدقيق في الفواتير وآليات احتسابها وملاحقة المخالفين. وقال وزير الاقتصاد إن أسعار المازوت العالمية شهدت ارتفاعاً حاداً منذ اندلاع الحرب، ما انعكس على كلفة تشغيل المولّدات في لبنان. لكنه أقرّ في الوقت نفسه بوجود شكاوى تستوجب التدقيق، داعياً المواطنين إلى الإبلاغ عن المخالفات عبر تطبيق الوزارة أو الاتصال بالرقم 1739. لكن ارتفاع أسعار المازوت لا يفسّر وحده حجم الفواتير التي تلقّاها المشتركون. فالمشكلة لا تقف عند زيادة الكلفة، بل تمتد إلى جشع بعض أصحاب المولّدات الذين استغلوا الظروف لفرض أسعار تتجاوز التعرفة الرسمية بفارق فادح. وقد تلقّت "ليبانون ديبايت" عدداً كبيراً من الشكاوى التي تفيد بأن بعض أصحاب المولّدات احتسبوا سعر الكيلوواط بما يصل إلى 90 سنتاً، أي نحو 80,730 ليرة وفق سعر الصرف الذي اعتمدته وزارة الطاقة، والبالغ 89,700 ليرة للدولار. في المقابل، حدّدت وزارة الطاقة تعرفة شهر آب بـ48,241 ليرة للكيلوواط في المدن والتجمعات المكتظة والمناطق الواقعة على ارتفاع يقل عن 700 متر، أي ما يعادل نحو 54 سنتاً. أما في القرى والمناطق المتباعدة أو الواقعة على ارتفاع يزيد على 700 متر، فبلغت التعرفة 53,065 ليرة، أي نحو 59 سنتاً. وهذا يعني أن احتساب الكيلوواط بسعر 90 سنتاً يتجاوز التعرفة الرسمية بنحو 68% في المدن، وبنحو 53% حتى بالمقارنة مع تعرفة المناطق الجبلية. والأهم أن وزارة الطاقة أكدت أن التعرفة الرسمية تحتسب أصلاً ثمن المازوت وكلفة نقله وتوزيعه، إضافة إلى الزيوت والفلاتر واهتلاك المولّد وسائر نفقات التشغيل، فضلاً عن هامش ربح لأصحابه. وبالتالي، لا يمكن تبرير القفزة إلى 90 سنتاً بأنها مجرد انعكاس لارتفاع سعر المحروقات. ولا تقتصر الشكاوى على سعر الكيلوواط، بل تشمل أيضاً التلاعب بقراءات العدادات وساعات التشغيل، وفرض رسوم ثابتة غير مبررة، واعتماد بعض أصحاب المولّدات تعرفة المناطق الجبلية في بيروت وضواحيها من دون أن تنطبق عليها شروط الارتفاع أو التباعد الجغرافي. وبحسب المعلومات، اضطر بعض أصحاب المولّدات إلى إعادة فروقات مالية إلى المشتركين بعد اعتراضهم، إلا أن هذه المعالجات لا تزال فردية، في ظل غياب أي بيانات رسمية تحدد عدد الفواتير التي خضعت للتدقيق أو قيمة الأموال المستردة. وهنا تظهر المشكلة الأساسية: الدولة لا تزال عاجزة عن إدارة هذا الملف وضبطه بصورة مستدامة، ولا تتحرك إلا بعدما تنفجر الفواتير ويعلو غضب المواطنين. فالإجراءات المعلنة تبقى ناقصة ما لم تُنشر نتائج واضحة: كم فاتورة دُققت؟ كم مخالفة سُجلت؟ وما قيمة الغرامات المفروضة؟ وهل سيُلزم صاحب المولّد بإعادة الأموال التي تقاضاها خلافاً للتعرفة، أم ستكتفي الدولة بتنظيم محضر ضبط لا يعوّض على المتضرر؟ تكشف الأزمة مجدداً هشاشة القطاع برمته. فالمواطن يدفع فاتورتين، واحدة لكهرباء الدولة وأخرى للمولّد، فيما تبقى التغذية العامة عاجزة عن خفض الاعتماد على السوق الخاصة. ومع كل ارتفاع في أسعار النفط أو تراجع في ساعات التغذية، تتحول المولّدات من حل اضطراري إلى سلطة مالية محلية تفرض شروطها على السكان. والمطلوب اليوم ليس حملة إعلامية عابرة، بل إلزام كل صاحب مولّد بإصدار فاتورة مفصلة تُظهر قراءة العداد، وعدد ساعات التشغيل، وسعر الكيلوواط، والتعرفة الرسمية والرسوم الثابتة، مع إلزام المخالفين بإعادة الفروقات إلى أصحابها. عندها فقط يعرف المواطن ما إذا كان يدفع كلفة الكهرباء فعلاً، أم يدفع فوقها ثمن غياب الدولة وجشع مافيا المولّدات.