لم تعد عمليات التفجير الإسرائيلية في قرى الجنوب مجرد مشاهد متفرقة من حرب مستمرة. تقرير ميداني نشرته «الجزيرة الإنجليزية» من بلدة فرون يرسم صورة أشد خطورة: هدم يتواصل نهاراً وليلاً، وقرى تُفرغ من مقومات الحياة حتى عندما لا تكون تحت القصف المباشر. وينقل التقرير عن سكان ومسؤولين محليين في فرون والغندورية وبرج قلاويه وقلاويه أن أصوات الطائرات والمسيّرات والتفجيرات الإسرائيلية أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية، وأن تفجيرات هذا الأسبوع أدت إلى انهيارات ظاهرة في أكثر من موضع في سلسلة جبال القنطرة. المشكلة لا تقف عند المنازل المهدمة. فرئيس بلدية الغندورية تحدث عن تدمير واسع لشبكات المياه والكهرباء وللمساحات الزراعية التي كانت تنتج الزيتون والقمح والحمص والذرة والتبغ. أما في فرون، فلا تزال الكهرباء الرسمية مقطوعة، فيما حُدد منتصف أيلول موعداً مستهدفاً لمحاولة إعادة بعض الخدمات. هذه الوقائع تعطي التدمير وظيفة تتجاوز الهدف العسكري المعلن. فعندما يُهدم المنزل وتُقطع المياه والكهرباء وتُجرف الأرض الزراعية، تصبح عودة السكان شبه مستحيلة حتى لو انسحبت القوات لاحقاً. وهكذا تتحول العمليات العسكرية إلى آلية لإنتاج نزوح طويل الأمد، لا إلى إجراء أمني مؤقت. ويقول سكان عادوا بعد وقف النار إنهم وجدوا قراهم مختلفة عما تركوه. بعضهم يعيش في مرآب أو إلى جانب منزله المتضرر، فيما بقيت منازل أخرى غير صالحة للسكن بالكامل. وتعيد هذه الظروف إلى أذهان الأهالي سنوات الاحتلال الإسرائيلي، مع فارق أساسي: في الاحتلال السابق بقي كثيرون داخل قراهم، أما اليوم فإن حجم الدمار يمنعهم من العودة أصلاً. وتقول إسرائيل إن التفجيرات تستهدف بنى عسكرية لحزب الله. لكن إثبات هذا الادعاء يحتاج إلى عرض أدلة لكل مبنى أو منشأة هُدمت، وخصوصاً عندما تشمل الأضرار منازل مدنية وشبكات مياه وكهرباء وأراضي زراعية. الملف الذي يجب أن يفتح الآن هو جردة موثقة، عقاراً عقاراً: ما الذي هُدم بعد وقف النار؟ أين كانت الآليات الإسرائيلية تعمل؟ وما المساحة التي جُرفت مقارنة بصور ما قبل الحرب؟ فالتدمير المستمر لا يمحو الأبنية وحدها، بل يعيد رسم الجغرافيا السكانية للجنوب، ويجعل حق العودة رهينة إعادة إعمار لم يبدأ وتمويل لم يُحسم وأرض لا تزال تحت النار.