فلسطين، الدولة، الأمة، تنسدل بكليّتها في ثوب نسجه الفنان خليل رباح من أثواب نساء فلسطينيات من عشرين قرية تقريبًا. يستقبل الثوب زائري معرضه قبل أن يدخلوه. تنهمر الأثواب الثلاثين المنسوجة في ثوب واحد من سقف صالة عرض غاليري صفير زملر في وسط بيروت، حتى الأرض التي تضيق به. يمتد بطوله وزخرفاته وتطريزاته التي تشعل حنينًا لأرضٍ مسلوبة. طاقة الثوب تسيطر على المكان بضخامته وما فيه من قصص نساء فلسطينيات. كنّ يتردين أثوابهن أثناء عملهن في الحقل أو قيامهن بأعمالهن المنزلية وممارساتهن الحياتية، قبل أن يعطينها للفنان رباح(1961) الذي يعود إلى بيروت بعد ثماني سنوات على زيارته الأخيرة لها، بقطعة أكبر من الحياة. أراد لنسيجه المسمّى Common Threads (خيوط مشتركة) أن يكون نصبًا. طاقة نسيجه تحمل تعب الأمهات وحكايا الجدات ومقاومتهن المحتل. يرتدين ما هو جميل ومزخرف ورقيق ليمارسن حياة الاحتلال بتفاصيلها في مواجهة الأسلاك الشائكة والأسلحة وآلات الدمار. كان رباح يتوسّل جدّته لتعطيه ثوبها، وهي ترفض بهدف إعطائه ثوبًا جديدًا غير مستعمل، لكنه كان يريد ثوبها هي، الذي يحمل روحها وحياتها ورائحتها. منحته إياه أخيراً ففتح الثوب عن بعضه ليرى داخله. رأى أبعد مما يحتويه وأعمق مما عايشه الثوب مع جدته الراحلة. قرأه كلغة وطاقة تفرض عليه التأمّل. تحيط الثوب لوحات الزيتون التي رسمها الفنان الفلسطيني بالشمع. مزّق بعضها وأعاد إلصاقها. وضع إبرة تحت مجهرٍ قرب ثوب فلسطين حيث ما زالت آثار بعض الخيوط معلّقة في الإبرة. في صالة صفير زملر في الكرنتينا، يستكمل الفنان رباح معرضه "مش فاهم". وضع جرّة غاز مقلوبة يبدو أن السكر قد تناثر منها. تدل طريق المعرض على نفسها من خلال حواجز حديدية ملونة بثياب أناس ارتدوها يومًا. لُفّت القضبان الحديد بها وجُمعت بدبابيس كبيرة. كأن الحواجز صارت جزءًا مما يرتديه الفلسطينيون يوميًا، وتقودهم ربما ليس إلى حيث يريدون الذهاب لكن إلى حيث ما هو مسموح لهم في أرضهم المحتلة. أصبحت حركة الحواجز والمعابر جزءًا من حركتهم التي لم يختاروها. تتموضع بعد تلك الحواجز، دراجات هوائية ملفوف بعضها ببعض على عربات مدولبة لكنها لا تستطيع الحراك. ركبها الأولاد ولعبوا بها وربما سقط أحدهم عنها وجرح ساقه. تحمل الدراجات الصدئة والمكسّرة، مرح الطفولة ومشاكساتها ومغامراتها الحذرة في بلد لا تستطيع فيه الانطلاق بحرية. الحذر مطلوب أيضًا ممن يرى الطاولات المقلوبة رأسًا على عقب. ملأ رباح جوفها بمسامير حديدية لأنه يجدها جميلة. لا شيء في معرضه يقوم بدوره الطبيعي الذي صُنع لأجله. كلٌّ في غير موضعه وغير مكانه وغير وظيفته. يرى رباح معرضه كمساحة ممتدة في بيروت، بحواجزه وأسلاكه الشائكة وطاولاته وكراسيه. تتدلّى المكويات ورشاشات الاستحمام من طاولة كَيّ عُلّقت على الحائط. أما ثريات الإضاءة الذهبية البرّاقة، فتلمع إلى جانب أسلاك شائكة. لا يفهم رباح نفسه أعماله. يقوم بتركيبها كما يشعر. لا يهدف إلى فهمها من الأساس. ما يحبه في أعماله، هو غموضها، حتى لنفسه وأسئلته التي تجعله يطرحها تكرارًا. يشعر بأنه إذا ما وجد إجابات، سيفقد اهتمامه بما يصنع. يحب الفضول الذي تبقيه أعماله في عملية تفكير وتأمّل. وضع طبقة من أكياس الطحين الضخمة يصعب الوصول إليها بسبب كراسٍ خشبية رميت فوقها مع بعض الأدوات. يفصل بسلكَي حديد متينين باقي معرضه، مما يضطر الزائر للعودة حيث ما بدأ. تملأ «البيت الزجاجي» أحواض النبات لكن معظمها يابس وميّت، وبعضها ما زال يحاول أن يحيا. تشارك النباتات أغراضاً منزلية صدئة وأدوات للبناء والتصليح والتركيب الموجودة في كاراج كل بيت أو علّيته. تتجمع الأصناف مع بعضها، لكن على حدة، لكن: "كيف ستعيش في بيت زجاجي داخل مبنى سكني؟"، يسأل رباح. خليل رباح، المقيم في رام الله في الضفة الغربية، وجد كل ما صنع به معرضه مبعثرًا في مكان ما. كل قطعة بالنسبة إليه كانت لها حياة خاصة بها، وثمة من استخدمها قبل أن يضطر لرميها أو تركها بسبب التهجير، النزوح، الاحتلال، أو لأسباب أخرى. جمع رباح ما من الأشياء لم يتخايل تعايُشه، وأسكنها جنبًا إلى جنب. فما الذي يمكن أن يجمع أسلاكًا شائكة وجارحة بثريات مذهّبة لها بريق البلور؟ لكنه يصرّ على رغبته في الإيجابية وحبه لها. يختار أن يجد شعاعًا في السواد المحيط. يُعيد التفكير في منطق الأشياء وما الذي تتشاركه في ما بينها وكيف يمكن إعادة تركيبها. (*) يستمر معرض "مش فاهم" في صالتَي عرض غاليري صفير زملر في وسط بيروت (بناية بولس فياض)، وفي الكرنتينا (بناية طنّوس – الطابق الرابع)، حتى 30 كانون الأول/ ديسمبر 2026.