يعاني لبنان من فراغ في جنوبه، في ضوء الانسحاب المتوقّع للقوّة الدوليّة منه في نهاية 2026. يتحمّل “الحزب” المسؤوليّة الكبرى عن الانسحاب الذي يمكن تفسيره بغياب دور كان يمكن للرئيس نبيه برّي لعبه من أجل بقاء “اليونيفيل” في الجنوب وتأدية المطلوب منها منذ صدور القرار 1701. توجد حاجة إلى قراءة نصّ القرار الدوليّ الذي لا يفرّق بين شمال الليطاني وجنوبه. هذا ليس وقت الندم على رحيل مقبل للقوّة الدوليّة التي عُزّزت في 2006 والتي قامت أصلاً في العام 1978 نتيجة القرارين 425 و426. هناك ندم مسبق، حيث لم يعد ينفع الندم، على القوّة الدوليّة بشكلها الحاليّ وكأنّ العالم لا يعرف الدور الذي لعبه “الأهالي” من أجل الحؤول دون تنفيذ بنود القرار 1701. يعرف العالم، للأسف الشديد، ما تعرّضت له “اليونيفيل”، التي كان مفترضاً أن تجلب السلام والأمن والإستقرار إلى جنوب لبنان، على يد ما سمّي “الأهالي”. كان “الحزب” يستخدم هؤلاء أداة لمنع عناصر القوّة الدوليّة من تأدية مهمّتها بموجب بنود القرار 1701. لا يقتصر سوء حظّ لبنان على قرب انسحاب القوّة الدوليّة التي عملت الكثير لأهل الجنوب بدل جعل هؤلاء ضحيّة سلاح إيران الذي أعاد الاحتلال. ينسحب سوء الحظّ، أيضاً، على غياب أيّ ضغوط أميركيّة على إسرائيل، هذا إذا كان في الإمكان الحديث أصلاً عن مثل هذه الضغوط، من أجل انسحاب من أيّ نوع، من مناطق محتلّة في الجنوب. من سوء حظّ لبنان، أيضاً وأيضاً، أنّ الأحداث، ذات الطابع المأساويّ، الدائرة في الجنوب والتفجيرات اليوميّة، تأتي فيما الانتخابات الإسرائيليّة على الأبواب من جهة، وأنّ تركيز إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بات على إيران وكيفيّة إجبارها على الاستسلام من جهة أخرى. يبحث ترامب عن انتصار في إيران قبل موعد الانتخابات النصفيّة في الولايات المتّحدة، وذلك تفادياً لخسارة الأكثريّة في مجلس النوّاب، أحد مجلسَي الكونغرس. ويبحث بنيامين نتنياهو هو الآخر عن انتصار ما في إسرائيل كي ينقذ نفسه من الذهاب إلى السجن في حال خسر الانتخابات ولم يعد رئيساً للحكومة. يبدو سؤال المرحلة: ما الذي يستطيع لبنان عمله من أجل تمرير مرحلة الجمود الراهنة؟ الجواب أنّه ليس لديه ما يعمله غير السعي إلى ملء الفراغ الذي يبدو الجنوب مقبلاً عليه بعدما تقرّر انسحاب القوّة الدوليّة منه في نهاية السنة الحاليّة. لا يمكن تصوّر جنوب لبنان من دون قوّة دوليّة ترفع علم الأمم المتّحدة في وقت تدور فيه مفاوضات تستهدف إنهاء الاحتلال وعودة النازحين إلى أرضهم وبيوتهم… أو ما بقي منها. يبدو واضحاً أنّ إسرائيل، بغضّ النظر عمّا إذا كان “بيبي” سيبقى على رأس الحكومة أم لا، مصمّمة على إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان على طول “الخطّ الأزرق” بين البلدين. وهذا ما يفسّر كلّ تلك التفجيرات وعمليّات التجريف التي تقوم بها والتي تستهدف تغيير طبيعة الأرض ومعالمها في الجنوب. يكتشف لبنان واللبنانيّون، شيئاً فشيئاً، لماذا تمسّك “الحزب” ولا يزال يتمسّك بسلاحه، وكيف تستغلّ إسرائيل ذلك من أجل تفادي أيّ خطوة ذات طابع إيجابيّ تؤكّد أن ليست لديها بالفعل أطماع في الأرض اللبنانيّة. يكتشف اللبنانيّون أيضاً أنّ إيجاد بديل من القوّة الدوليّة ليس سهلاً، على الرغم من الجهود التي يبذلها الرئيس جوزف عون الذي استنجد بإيطاليا أخيراً، لعلّ وعسى تستطيع المساهمة في قوّة تشارك في تنفيذ أيّ اتّفاق يمكن التوصّل إليه مع إسرائيل وتضمن سلامة المواطن العاديّ. إلى إشعار آخر، لا يوجد ما يعوّض خسارة القوّة الدوليّة، التي تعزّزت بمزيد من العناصر في ضوء حرب صيف 2006 وصدور القرار 1701 الذي وسّع مهمّاتها. كلّ ما في الأمر أنّ لبنان لم يستطِع في أيّ وقت تنفيذ التزاماته. فسّر “الحزب” والمساندون له بنود الـ1701 على طريقتهم ولا يزالون يفعلون ذلك. فعلوا ما فعله حافظ الأسد في مرحلة ما بعد التوصّل إلى اتّفاق الطائف في 1989. تولّت أجهزته قتل الرئيس رينيه معوّض كي يستطيع رئيس النظام السوريّ، وقتذاك، تنفيذ الطائف، على طريقته، أي كما كان يقرأه ويفسّره. نفّذ الأسد الأب انقلاباً على الطائف ونفّذ “الحزب” انقلاباً على الـ1701. ليس الخروج المرتقب لـ”اليونيفيل” سوى إحدى نتائج الانقلاب الإيرانيّ على القرار الدوليّ. مفاوضات مباشرة لاستعادة الجنوب لم يبق أمام لبنان ما يفعله غير الاعتراف بأنّ عليه، عاجلاً أم آجلاً، فهم ما الذي تريده إسرائيل في مقابل انسحابها من جنوب لبنان. لا يمكن أن يحصل ذلك من دون امتلاك الجرأة الكافية للدخول في مفاوضات مباشرة جديدة بعيداً عن عقدة التقاط صورة أو عدم التقاط مثل هذه الصورة. موضوع الصورة لا يقدّم ولا يؤخّر، بمقدار ما يعني أنّ السلطة اللبنانيّة ما تزال خائفة من “الحزب” ومن ردود فعل إيران التي تريد ربط مصير لبنان بمسار إسلام آباد. بكلام أوضح، من المفيد للبنا