المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI اليونيفيل في جنوب لبنان ـ نهاية مهمة أم فراغ أمني يخدم إسرائيل؟ بقلم : العميد منذر الأيوبي* مدونة الكاتب العميد منذر الأيوبي دخل ملف قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان “اليونيفيل” مرحلة جديدة تتجاوز مسألة تجديد ولايتها أو إنهائها أو تعديل مهامها. فالمطروح اليوم بات مرتبطاً بمستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب، وبالدور الذي يمكن أن تؤديه الأمم المتحدة خلال هذه المرحلة الدقيقة. ومع صعود آخر جندي من القبعات الزرق إلى سفينة المغادرة، ستكون المشكلة، لا بل المأزق الحقيقي، إحتمال دخول أجزاء كبيرة من الجنوب في فراغ أمني، مع ما قد يرافقه من ضعف في ممارسة السيادة، ذلك على خلفية قدرات محدودة للجيش اللبناني، سواء على مستوى الانتشار والمهام أو استلام بعض مراكز القوات الأممية، في ظل استمرار العدو ارتكاب انتهاكاته واعتداءاته، مجتزئاً ما استطاع من أرض، مدمراً ما بُني من حجر، ومهجّراً ما بقي من بَشَر..! اليونيفيل : قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان United Nations Interim Force in Lebanon أو ما يعرف بقوات اليونيفيل هي قوات دولية متعددة الجنسيات تابعة للأمم المتحدة لحفظ السلام في جنوب لبنان. تأسست في 19 مارس 1978 بموجب قراري مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 425 و426، وعدة قرارات أخرى بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان 2006 لدعم عمليات الجيش اللبناني وتأكيد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، ولضمان استعادة حكومة لبنان لسلطتها الفعلية في المنطقة. وإذا كان المجال الخالي من السيادة رسمه العدو بالأصفر محاولآ نزع هويته مع فرضه منطقة عازلة ، فإن ما قد يليه يمكن أن يكون أخطر وأعظم، وفق ما تشير الوقائع الميدانية ومسار العمليات، ومن السيناريوهات التي لا يمكن استبعادها أن تسعى إسرائيل إلى تثبيت منطقة أمنية ثانية، عبر محاصرة المواقع العصيّة للمقاومة ومنشآتها تحت الأرض، وترك مهمة استنزافها للقصف الجوي، بما يمنحه عامل الوقت. وهذا ما يجعل كل المساعي الجارية حالياً أمام اختبار صعب في تحقيق الأهداف الثلاثة: الانسحاب، إستعادة الأسرى، وإعادة الإعمار، لتبقى الخشية أن يتحول الوقت المسلوب، مع استمرار المواجهة، إلى واقع يفرض نفسه في الميدان. مما لا شك فيه أن المسألة اكتسبت حساسيتها من طبيعة الدور الذي أدته اليونيفيل. فقد شكّل انتشارها على مدى سنوات جزءاً من منظومة للمراقبة والاتصال واحتواء الاحتكاكات، إضافة إلى حضور دولي مباشر يشهد على الشرعية والسيادة، وهذا ما تحاول إسرائيل السطو عليه: الشرعية الشعبية والسيادة الوطنية. هنا تصبح المرحلة اكثر ضبابية: بين مفاوضات روما الثلاثية المتعثرة، وانتخابات إسرائيلية قد تذهب نحو تأجيل، ومشهد أميركي تحكمه تجاذبات داخلية وتوازنات حزبية بالتزامن مع انقسام سياسي وطني عمودي مُزمِِن، ما يجعل الجنوب خاضعاً لوقائع ميدانية أسرع من قدرة السياسة على احتوائها. وإذ فرض القرار 2790 نفسه باعتباره عنوان المرحلة المقبلة، بعد أن قرر مجلس الأمن تمديد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ اعتباراً من ذلك التاريخ عملية خفض قوامها وانسحابها المنظم والآمن خلال سنة 2027. ، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة من البحث في الترتيبات التي ستلي انتهاء مهمتها، وما يمكن أن يكون للأمم المتحدة من دور في دعم تنفيذ القرار 1701 وتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني. فالانسحاب لا يعني انتفاء الحاجة إلى الوظيفة الدولية، كما لا يعني أن الفراغ يمكن أن يُملأ تلقائياً بمجرد زيادة الانتشار اللبناني. إذ إن انتهاء مهمة اليونيفيل سيكون بداية لإعادة تعريف دور القوى البديلة أو المتعددة الجنسيات. هنا تظهر أهمية الفصل بين شكل الوجود الدولي وبين الوظيفة التي يؤديها، وبالتالي مستقبل الجنوب في الجغرافيا والديموغرافيا. توازياً، لا يمكن تجاهل المسؤولية الوطنية للجيش، وهي تختلف في طبيعتها عن الوظيفة التي تؤديها قوات الأمم المتحدة. إذ سيكون في قلب المرحلة المقبلة الطرف الوطني الرئيسي المُعوّل عليه، فيما تحتاج هذه المرحلة تعزيز قدراته البشرية والتقنية واللوجستية، إضافة إلى توفير الدعم السياسي والعسكري والمالي الذي يسمح له أداء دوره بصورة أكثر فاعلية. وفي المقابل، لا يمكن مقاربة المشهد الأمني في الجنوب بمعزل عن موقع حزب الله، باعتباره طرفاً أساسياً في المعادلة الميدانية والسياسية اللبنانية. فالمشكلة لا تتعلق فقط بقدرة الجيش على ملء الفراغ الذي ستخليه اليونيفيل، وإنما أيضاً بكيفية إدارة العلاقة بين سلطة الدولة وبين الواقع العسكري القائم على الأرض، في ظل الضغوط الدولية والإسرائيلية المتزايدة باتجاه حصر السلاح والقرار الأمني بالمؤسسات الشرعية. وهنا تكمن إحدى أكثر عقد المرحلة حساسية