في ظل تقارير وشهادات عن انضمام عدد من التونسيين إلى الحرب في أوكرانيا، لا تزال عائلات تونسية تبحث عن مصير أبنائها الذين التحقوا بالجيش الروسي، بعدما انقطعت الاتصالات بهم. وفي تموز/يوليو الماضي، توجه عدد من العائلات إلى مقر وزارة الخارجية في العاصمة تونس، حاملين صور أبنائهم ومطالبين السلطات بالتدخل لكشف مصيرهم. من بينهم قيس الذوادي، الذي قال لـ"النهار" إن ابن خالته أيمن غادر تونس قبل نحو أربع سنوات بحثاً عن فرصة لتحسين ظروفه، قبل أن يجد نفسه مقاتلاً في صفوف الجيش الروسي. بحسب رواية ابن خالته، غادر أيمن، وهو من منطقة الزهراء في العاصمة تونس، البلاد عام 2022 متوجهاً إلى روسيا بعدما لم يتمكن من الحصول على شهادة الباكالوريا، أملاً في مواصلة دراسته هناك. وبسبب ظروفه المادية، اضطر إلى العمل لتأمين تكاليف إقامته ودراسته، فعمل في توصيل الطلبات لنحو عامين، قبل أن تغلق الشركة التي كان يعمل لديها، حسب الرواية. منشور على مواقع التواصل يحمل اسم أيمن وقصته. ويقول قيس إن أيمن بحث عن عمل جديد، إلى أن وجد عبر تطبيق "تلغرام" إعلاناً لشركة تبحث عن عمال في مجال التوصيل، فتقدم للعمل لديها. وتوجه برفقة صديق مغربي إلى مقر الشركة، الذي كان يقع على بعد مئات الكيلومترات من مكان إقامتهما وفي مدينة روسية أخرى. لكن الشرطة الروسية أوقفتهما واقتادتهما للتحقيق ثم إلى المحاكمة، في ظروف تقول العائلة إن تفاصيلها لا تزال غير واضحة، على خلفية تهمة ترويج المخدرات، وفق قيس. وبعد نحو ثمانية أشهر من توقيفه، تلقى أيمن، وفق قيس، عرضاً للاختيار بين الالتحاق بالجيش الروسي أو مواجهة محاكمة قد تفضي إلى السجن لسنوات طويلة. ويقول ابن خالته إنه لم يجد أمامه سوى توقيع عقد للانضمام إلى الجيش والقتال في صفوفه، وهو ما أبلغه لعائلته خلال اتصالاته اللاحقة. تلقى أيمن تدريباً لمدة شهر واحد، قبل نقله في نهاية العام الماضي إلى إحدى المدن الأوكرانية الخاضعة للسيطرة الروسية. وهناك أمضى عدة أشهر على تواصل مستمر مع عائلته، إلى أن انقطعت أخباره نهائياً مطلع العام الحالي. ويقول قيس: "كان آخر اتصال تلقيناه منه رسالة صوتية في كانون الثاني /يناير الماضي، وبعدها انقطعت كل الاتصالات معه". أرقام غير دقيقة ومخاوف متزايدة من جهته، يقول رئيس جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج، محمد إقبال الغربي، لـ"النهار"، إن الجمعية تلقت اتصالات من عائلات أبلغت عن فقدان الاتصال بأبنائها في روسيا. ويؤكد الغربي عدم وجود إحصاءات دقيقة بشأن عدد التونسيين الذين التحقوا بالجيش الروسي وشاركوا في القتال بأوكرانيا، لكنه يشير إلى أن ما لا يقل عن عشر عائلات تواصلت مع الجمعية للإبلاغ عن فقدان أبنائها. بلاغ عن تونسية في روسيا مجبرة على الخدمة عند الجبهة. وبحسب الغربي، كان بعض المفقودين طلبة أو تونسيين هاجروا إلى روسيا بحثاً عن فرص أفضل للعيش، قبل أن تجعل أوضاعهم الهشة بعضهم أكثر عرضة لقبول عروض للانضمام إلى جبهات القتال. ويقول إن بعضهم وجد نفسه في السجن على خلفية تهم مختلفة، حيث جرى استغلال هشاشته وإقناعه بالمشاركة في القتال بأوكرانيا. ويشير الغربي إلى أن طرق وصول التونسيين إلى جبهات القتال تختلف من حالة إلى أخرى. فبعض من سافروا إلى روسيا كانوا يعتزمون مواصلة طريقهم نحو أوروبا، قبل أن يجدوا أنفسهم في قبضة شبكات دفعت بهم إلى الحرب، بينما وقع آخرون ضحية عروض عمل أو دراسة وهمية. ومع غياب أرقام رسمية دقيقة، تبقى هذه الحالات محاطة بالغموض، فيما يظل مطلب عائلات المفقودين واحداً: الكشف عن مصير أبنائهم.