تُقدّم نشرة الهيئة المنظمة للاتصالات الصادرة في 31 آب 2026 رؤية لحماية الأطفال في البيئة الرقمية، وتتناول 4 محاور أساسية تشمل باختصار الحوكمة، والتوعية، والأمان، والتقييم. "الرؤية" جاءت تحت عنوان: "حماية الأطفال في العالم الرقمي: من الخبرات العالمية إلى رؤية الهيئة المنظمة للاتصالات لإطار وطني في لبنان." إلا أن مضمون الوثيقة، عند تقييمها من منظور السياسات العامة والتنظيم الفعّال، يبقى أقرب إلى وثيقة إعلانية منه إلى "رؤية لإطار وطني" قابلة للتنفيذ. وبالتالي، إذا لم تتبلور حتى تاريخه لدى الهيئة المنظمة للاتصالات رؤية حقيقية ومتكاملة، فكان الأجدى التريث قبل إصدار هكذا مستند يفتقر إلى الأسس التنظيمية والتنفيذية. في البداية، وفي الشكل، لا بد من التوقف عند ما ورد حرفياً وبالخط العريض في مقدمة الوثيقة، حيث تُنسب "رؤية" الهيئة إلى "إعداد الدكتور هيثم سرحان، عضو في إدارة الهيئة ورئيس وحدة المعلومات وشؤون المستهلك". ويطرح ذلك إشكالية مؤسساتية واضحة، فإعداد "رؤية لإطار وطني" يفترض أن يكون نتاج عمل مؤسسي تشاركي صادر عن الهيئة كجهة تنظيمية، لا عملاً فردياً يُنسب إلى أحد أعضائها أو مسؤولي وحداتها. إن نسب الرؤية إلى شخص بعينه يثير تساؤلاً مشروعاً حول مدى كونها رؤية مؤسسية معتمدة للهيئة، أم مجرد تصور شخصي، يُصلح لمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، جرى إعتماده كوثيقة رسمية. اما في المضمون، فتتمثل أبرز الثغرات في غياب اقتراح خطة تنفيذية محددة تتضمن مراحل زمنية واضحة لصياغة الإطار الوطني واعتماده وتطبيقه، إلى جانب عدم اقتراح تحديد المسؤوليات بصورة دقيقة، ولا سيما توضيح توزيع الاختصاصات بين الهيئة المنظمة للاتصالات والوزارات والأجهزة العامة والجهات التعليمية ومقدمي خدمات الاتصالات والمنصات الرقمية. كما لا تحدد الوثيقة الجهة صاحبة المسؤولية النهائية عن التنفيذ والمتابعة والمساءلة، ولا آليات تلقي الشكاوى والتحقيق فيها ومعالجتها، أو الإجراءات والعقوبات المترتبة على عدم الامتثال. وتظهر ثغرة إضافية في الانتقال من مفهوم حماية الأطفال إلى مجرد تشجيع مقدمي خدمات الاتصالات والمنصات الرقمية على اعتماد ممارسات تراعي احتياجات الأطفال. فالحماية الفعلية تتطلب تحديد الالتزامات القانونية والتنظيمية الملزمة، وآليات مراقبة الامتثال، وإجراءات الإنفاذ والمعالجة، ولا تكتفي بالممارسات الطوعية أو التوعوية. كما تفتقر الوثيقة إلى تقييم وطني واضح لحجم وطبيعة المخاطر الرقمية التي يتعرض لها الأطفال في لبنان، بما يشمل التنمر الإلكتروني، والاستدراج والاستغلال الجنسي، والتعرض للمحتوى الضار، وانتهاكات الخصوصية، والإدمان الرقمي، والمخاطر المرتبطة بالمنصات والخوارزميات والإعلانات الرقمية. وغياب هذا الخط الأساسي للبيانات يجعل من الصعب تحديد أولويات التدخل أو قياس أثر السياسات المقترحة. كذلك لا تتضمن الوثيقة تقييماً للأثر التنظيمي أو تقديراً للكلفة المالية والبشرية والتقنية اللازمة لتنفيذ الإطار، ولا تحدد مصادر تمويله، ومتطلبات بناء القدرات، وآليات المراقبة التقنية، والموارد اللازمة لاستمراريته. كما أن محور البحث والتقييم لا يتحول إلى منظومة واضحة من مؤشرات الأداء القابلة للقياس، مثل عدد البلاغات، وسرعة معالجتها، ونسب الامتثال، ومدى وصول برامج التوعية، ومستوى التغيير في السلوك الرقمي، ونتائج التدخلات الوقائية. الاعلان عن رؤية الهيئة الناظمة للاتصالات عن حماية الاطفال في العالم الرقمي ويبرز أيضاً نقص في معالجة مسألة التحقق من العمر وحماية بيانات الأطفال. فأي نظام فعّال للـ Age Assurance يحتاج إلى قواعد واضحة تتعلق بالخصوصية، وتقليل البيانات، وحدود الاحتفاظ بها، وأمنها، واستخدامها، ومنع تحول آليات حماية الأطفال إلى أدوات واسعة لجمع البيانات أو مراقبة المستخدمين. وتحتاج الوثيقة كذلك إلى معالجة أوضح للطابع العابر للحدود للخدمات والمنصات الرقمية. فمعظم المنصات الكبرى تعمل خارج لبنان، الأمر الذي يستلزم تحديد الأساس القانوني للاختصاص، وآليات إلزام الجهات الأجنبية بالامتثال، والتعاون الدولي، وتنفيذ القرارات التنظيمية، وضمان حقوق الأطفال والمستخدمين في حال النزاع. كما أن حماية الأطفال رقمياً لا تقتصر على التوعية أو توفير المعلومات للأهل والأطفال، بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل الوقاية والكشف والإبلاغ والاستجابة والمعالجة والإنفاذ، مع تحديد واضح للأدوار والصلاحيات والمسؤوليات. ويجب أن تستند هذه المنظومة إلى قاعدة قانونية صريحة، وموارد مالية وتقنية وبشرية كافية، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وآليات شفافة للرقابة والمساءلة. ويُسجّل على الوثيقة أيضاً احتساب منصة e-Aman ضمن إنجازات الهيئة، رغم إطلاقها منذ عام 2013، بما يجعل مجرد إعادة ذكرها اليوم لا يشكل إنجازاً جديداً بحد ذاته، ما لم يق