انشغل العالم بما أعلنته شركتا "ميرك" و"مودرنا" عن نتائج إيجابية لتجربة سريرية للقاح تجريبي لسرطان الجلد الميلانيني (الميلانوما)، أحد أخطر أنواع سرطان الجلد. وأعادت هذه النتائج إشعال الأمل بإمكان فتح جبهة جديدة في مواجهة المرض، وربما تغيير بعض قواعد اللعبة في علاج السرطان. لكن بين نتيجة واعدة وعلاج متاح للمرضى، مسافة علمية وتنظيمية لا يمكن اختصارها. صحيح أن كل نتيجة إيجابية تقرّب المسافة بين الأبحاث المخبرية وتحسين فرص المرضى في البقاء من دون عودة المرض أو انتشاره، إلا أن الاحتفاء بهذا اللقاح بوصفه "علاجاً ثورياً" لا يزال سابقاً لأوانه. فاللقاح لم يحصل بعد على الموافقات التنظيمية اللازمة، ونجاح تجربة سريرية لا يعني تلقائياً أن العلاج سيصل إلى الأسواق أو يصبح جزءاً من الممارسة الطبية اليومية. وفي مواجهة مرض يعلّق عليه المرضى آمالاً كبيرة، تصبح الدقة أكثر من ضرورة، إذ لا يجوز أن تتحول النتائج الواعدة إلى وعد بالشفاء، أو أن يُقدَّم العلاج التجريبي كأنه الحل المنتظر للسرطان. من هنا، نعود إلى القصة الكاملة للقاح: كيف بدأت فكرته؟ وكيف صُمّم لكل ورم؟ وما الذي أظهرته مراحله السريرية وصولاً إلى المرحلة الثالثة؟ وماذا تعني النتائج فعلاً للمريض؟ والأهم، ما الذي لا تزال تحتاج إليه هذه التقنية قبل أن تتحول من تجربة واعدة إلى علاج متاح؟ قد يُشكّل العلاج التجريبي نقلة نوعية لمعالجة الخلايا السرطانية ومنع عودتها أو انتشارها من جديد. من المهم توضيح أن Intismeran autogene الذي كان يُعرف سابقاً باسم mRNA-4157، لم يحصل حتى الآن على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA ، وإن كان قد وصل إلى محطة مهمة في مساره السريري. إذ حققت تجربة المرحلة الثالثة أهدافها الأساسية والثانوية الرئيسية، لكن هذا النجاح لا يعني أن العلاج أصبح معتمداً أو متاحاً للمرضى. كما أن إنتيسميران (Intismeran) ليس لقاحاً وقائياً بالمعنى التقليدي، مثل لقاح كوفيد أو لقاح HPV، بل هو علاج شخصي للسرطان يُصمَّم وفق خصائص ورم كل مريض. وتبدأ الفكرة من الورم نفسه، إذ تحمل الخلايا السرطانية طفرات جينية قد تؤدي إلى إنتاج بروتينات غير طبيعية تُعرف باسم المستضدات الجديدة neoantigens. ويمكن لهذه المستضدات أن تشكل علامات مميزة تساعد جهاز المناعة على التمييز بين الخلايا السرطانية والخلايا السليمة. وبناءً على التحليل الجيني للورم، يُصمَّم اللقاح باستخدام mRNA صناعي يحمل تعليمات لإنتاج ما يصل إلى 34 مستضداً جديداً خاصاً بورم المريض. والهدف هو تدريب جهاز المناعة، ولا سيما الخلايا التائية، على التعرف إلى هذه العلامات ومهاجمة الخلايا السرطانية التي تحملها. المرحلة الثالثة التجريبية للقاح ضد سرطان الميلانوما الذي يعدّ من أخطر أنواع سرطانات الجلد. تضع الدكتورة زينة طنّوس، طبيبة جلد متخصصة، ورئيسة قسم الأمراض الجلدية في الجامعة اللبنانية الأميركية النتائج الأخيرة في إطارها العلمي، بعيداً من التسرع في إعلان "لقاح للسرطان". بالنسبة إليها، الخبر "مهم جداً ومشجع"، وخصوصاً في علاج الميلانوما، لكن أهم ما يجب توضيحه هو أن هذا اللقاح ليس لقاحاً للوقاية من الإصابة بالمرض، كما قد يوحي اسمه، بل علاج يُعطى للمريض بعد تشخيص الميلانوما واستئصال الورم جراحياً، بهدف تقليل خطر عودة المرض وانتشاره. وتشرح طنوس أن ما يميز هذه التقنية هو أنها "لقاح شخصي" يُصنع لكل مريض وفق الخصائص الجينية الخاصة بورمه. فالميلانوما ليست متطابقة لدى جميع المرضى؛ لكل ورم طفراته الجينية وخصائصه المختلفة. وبعد استئصال الورم، تؤخذ عينة منه لتحليل هذه الطفرات وتحديد العلامات التي يمكن لجهاز المناعة التعرف إليها، ثم يُصمَّم اللقاح وفقاً لهذه الخصائص. يمكن تبسيط هذا المسار وفق الخطوات العلمية التالية، الخطوة الأولى تتمثل باستئصال الورم ومن ثم أخذ عينة من هذا الورم وتحليل الحمض النووي وطفراته، والخطوة الثالثة تكمن في تحديد المستضدات (neoantigens) المناسبة قبل تصميم mRNA (الحمض النووي الريبوزي المرسال) الخاص به لتصنيع اللقاح الشخصي وإعطائه للمريض. أهمية اللقاح التجريبي يتمثل بأن ليس هناك لقاح واحد جاهز في قارورة واحدة لكل المرضى بل العلاج مصمم وفق البصمة الجينية لورم كل شخص. وتختصر طنوس الفكرة بتشبيه بسيط: اللقاح يمنح جهاز المناعة "صورة أو بصمة للورم"، بحيث يتعرف إلى الخلايا التي تحمل هذه العلامات ويصبح أكثر قدرة على استهدافها. وهنا تأتي أهمية دمجه مع كيترودا (Pembrolizumab)؛ فبينما يعرّف اللقاح جهاز المناعة إلى "السرطان"، يساعد العلاج المناعي الآخر على تعزيز استجابته في مواجهة الخلايا السرطانية. وتصف طنوس العلاقة بين العلاجين بأنها "عمل تآزري"، إذ يؤدي كل منهما وظيفة مختلفة تصب في الهدف نفسه. ستيف يونغ، أحد أوائل المرضى المشاركين في