يشهد الأمن السيبراني تحولاً متسارعاً من أداة لحماية الأنظمة والبيانات إلى ركيزة أساسية للأمن الاقتصادي واستدامة التحول الرقمي، مع تزايد اعتماد الحكومات والشركات على البنية التحتية الرقمية واتساع نطاق الهجمات الإلكترونية. في هذا السياق، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة تطوير منظومتها السيبرانية عبر تشريعات وأطر مؤسسية واستثمارات في التقنيات والكفاءات، فيما تأتي استراتيجية الشارقة للأمن السيبراني 2026-2031 لتدعم هذا المسار بخطة متكاملة تستهدف رفع الجاهزية وحماية البنية التحتية وتعزيز الثقة بالاقتصاد الرقمي. من هذا المنطلق، أطلقت دائرة الشارقة الرقمية استراتيجية الأمن السيبراني كأول استراتيجية شاملة ومتخصصة في الإمارة، برؤية "إمارة آمنة سيبرانياً"، بهدف استباق المخاطر وتعزيز الصمود وحماية البنية التحتية الحيوية والأصول والبيانات، بما يعزز الثقة بالخدمات الرقمية. وتتكامل الاستراتيجية مع استراتيجية الشارقة للتحول الرقمي 2026-2028، وتتسق مع التوجهات الوطنية، عبر دمج الأمن السيبراني في تصميم المشاريع الرقمية منذ مراحلها الأولى، وتعزيز قدرات الرصد والاستجابة والتعافي واستمرارية الخدمات. وتقوم على خمس ركائز، وهي حوكمة فضاء سيبراني ذكيّ وآمن، والصمود السيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية، والشراكات والتعاون والتواصل، وقدرات الأمن السيبراني، بما يوحّد الجهود ويرفع الجاهزية والحماية في الإمارة. الشيخ سعود بن سلطان القاسمي مدير عام دائرة الشارقة الرقمية خلال إطلاق استراتيجية الشارقة للأمن السيبراني (وام لا تنفصل استراتيجية الشارقة عن مسار وطني أوسع عززت من خلاله الإمارات مكانتها في الأمن السيبراني، إذ صنفها الاتحاد الدولي للاتصالات من ضمن أعلى فئة عالمياً هي "النموذج الرائد"، في مؤشر الأمن السيبراني العالمي لعام 2024، تقديراً لتقدّمها في الجوانب القانونية والتقنية والتنظيمية وتنمية القدرات والتعاون الدولي. استند هذا التقدّم إلى منظومة مؤسّسية وتشريعية متكاملة، شملت تأسيس مجلس الأمن السيبراني، وإطلاق مبادرات لرفع الوعي الرقمي وتطوير الكفاءات، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في رصد التهديدات، إلى جانب اعتماد مجلس الوزراء في شباط/فبراير 2025 الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، القائمة على خمسة محاور هي الحوكمة والحماية والابتكار والبناء والشراكة، بهدف حماية الجهات الحكومية والمؤسسات، وبناء بيئة رقمية آمنة ومرنة، وتعزيز القدرات الوطنية. وتزداد أهمية هذه الجهود مع تصاعد حجم التهديدات. وكان مجلس الأمن السيبراني قد أعلن في شباط 2026 أن البنية التحتية الرقمية في الإمارات تتعرض إلى ما بين 90 ألفاً وأكثر من 200 ألف محاولة هجوم يومياً، قبل أن يعلن رئيس المجلس محمد الكويتي، في نيسان/أبريل، ارتفاع العدد خلال التصعيد الإقليمي الأخير إلى نحو 600 ألف هجمة يومياً. ويعكس ذلك الحاجة إلى منظومة لا تكتفي بالاستجابة للهجمات بعد وقوعها، بل تمتلك القدرة على استباقها وحماية الخدمات الحيوية والاقتصاد الرقمي. الأمن السيبراني ركيزة اقتصادية في هذا السياق، يقول العضو المنتدب لشركة "آي دي تي للاستشارات والنظم التكنولوجية"، محمد سعيد، في تصريحات خاصة، "إن الإمارات دخلت مرحلة متقدمة من النضج في التعامل مع الأمن السيبراني، بعدما انتقلت من نموذج تقليدي يعتمد على ردّ الفعل عقب وقوع الحوادث إلى نموذج استباقي يركز على بناء المناعة الرقمية والسيادة المؤسسية". ويشير سعيد إلى أن هذا التحول واستراتيجية الشارقة للأمن السيبراني "يعكسان إدراكاً بأن الأمن الرقمي لم يعد مجرد تكلفة تقنية لحماية الشبكات أو خياراً دفاعياً، بل أصبح ركيزة من ركائز الأمن القومي والاقتصادي، وميزة تنافسية لجذب الاستثمارات وضمان استدامة التحول الرقمي". ولا تقتصر جهود الشارقة على تطوير الأطر التنظيمية، بل تمتد إلى بناء القدرات البشرية والتقنية، باعتبارهما ركيزتين لحماية الاقتصاد الرقمي. وقد نفذ مركز الشارقة للأمن السيبراني أكثر من 20 ورشة تقنية، ودرب أكثر من 175 موظفاً حكومياً من ضمن أربعة مسارات تطويرية، بالتوازي مع تطوير أطر لإدارة الحوادث والمخاطر والاستجابة السريعة، ومسح الثغرات وتقييم المواقع الحكومية. وتتولى كل جهة حكومية حماية بياناتها وأصولها الرقمية، فيما يشرف المركز على التنسيق والمتابعة. تحليلاً للآثار الاقتصادية لهذه الجهود، يؤكّد سعيد أن الاستثمار في الأمن السيبراني "يحمل أثراً اقتصادياً مباشراً، باعتباره عاملاً أساسياً في استدامة التحول الرقمي وجذب الاستثمارات وتعزيز ثقة الشركات والمستثمرين، فضلاً عن حماية الخدمات الحيوية والأصول الرقمية وتقليل الخسائر المرتبطة بالهجمات الإلكترونية". ويلفت سعيد إلى أن السنوات المقبلة ستفرض توسيع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي