في خطوة لافتة تعكس تصاعد القلق الأوروبي من الاضطرابات الجيوسياسية، نقل البنك المركزي الهولندي عشرات الأطنان من احتياطاته الذهبية من الولايات المتحدة وكندا إلى لندن، في تحرك يأتي وسط توتر متزايد في العلاقات عبر الأطلسي مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبعد خطوة فرنسية مماثلة أنهت عمليًا وجود الذهب الفرنسي في نيويورك. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، نقلًا عن صحيفة "نيويورك تايمز"، عمد البنك المركزي الهولندي منذ آذار إلى نقل جزء كبير من احتياطاته الذهبية من الولايات المتحدة إلى لندن، على خلفية ما وصفه بـ"تزايد الاضطراب الجيوسياسي" والحاجة إلى الاستعداد للأزمات. وأعلن البنك أنه نقل أكثر من ربع نحو 313 طنًا متريًا من الذهب الذي كان محفوظًا في أميركا الشمالية. وبحسب البنك، جرى نقل نحو 86 طنًا من الذهب، معظمها من خزائن الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، وجزء منها من البنك المركزي الكندي، قبل إيداعها في بنك إنكلترا. وأشار التقرير إلى أن بنك إنكلترا يحتفظ بما وُصف بأنه "الذهب الأكثر قابلية للتداول في العالم"، ما يجعل هذه الاحتياطات أكثر سهولة في الاستخدام عند وقوع أزمة. وقال رئيس البنك المركزي الهولندي أولاف سليبين: "من خلال هذا النقل حسّنا قابلية تداول احتياطياتنا من الذهب". ويأتي التحرك الهولندي ضمن اتجاه يتنامى في أوروبا، وقد يعكس مستوى التوتر مع إدارة ترامب، إذ شهدت العلاقات عبر الأطلسي اهتزازًا منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي، في ظل الحروب التجارية. وفي موازاة ذلك، أثرت الحرب الدائرة في الشرق الأوسط على الاقتصادات الأوروبية. وأشار التقرير إلى أن توقيت الخطوة، التي بدأت بعد نحو شهر من هجوم مشترك نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، يوحي بوجود صلة محتملة بالحرب، رغم أن البنوك المركزية عادة ما تتحرك ببطء. وقال جان ماريا ميليسي فيريتي، كبير الاقتصاديين في معهد "بروكينغز"، إن "مناخ تراجع العلاقات عبر الأطلسي لعب دورًا". وأضاف أن الاعتبارات الداخلية المرتبطة بصورة الاحتفاظ بالأصول في الولايات المتحدة تمثل عاملًا مهمًا في أوروبا. وتُعد هولندا ثاني دولة أوروبية خلال العام الحالي تنقل احتياطاتها من الولايات المتحدة. وفي وقت سابق من هذا العام، باع البنك المركزي الفرنسي أكثر من 127 طنًا من الذهب كانت محفوظة في الولايات المتحدة، ما أدى إلى خلو نيويورك من الذهب الفرنسي. وحققت هذه الخطوة لفرنسا أرباحًا بلغت نحو 15 مليار دولار. وعلى الرغم من تأكيد باريس أن الخطوة لم تكن سياسية، بدأت أصوات تُسمع أيضًا في إيطاليا وألمانيا تطالب بإعادة الذهب إلى الداخل، مع أن البنكين المركزيين في البلدين لا يخططان حاليًا لاتخاذ خطوة مماثلة. وتحتفظ الخزينة الموجودة في نيويورك بأكبر مخزون من الذهب الحكومي في العالم، بلغ نحو 7,000 طن حتى عام 2024. ورغم ذلك، قلصت هولندا بصورة كبيرة حجم وجودها هناك. وكانت هولندا تحتفظ سابقًا بنحو 31% من احتياطاتها الذهبية في نيويورك، فيما انخفضت هذه النسبة الآن إلى 18.5% فقط. وفي المقابل، بات نحو 32% من احتياطيات الذهب الهولندية محفوظًا حاليًا في لندن. ونُفذت عملية النقل جزئيًا عبر بيع الذهب في نيويورك وإعادة شرائه في لندن، وجزئيًا من خلال نقل فعلي لنحو 27 طنًا من الذهب مرورًا بهولندا. وبين اعتبارات السيولة والاستعداد للأزمات والتوتر المتزايد مع واشنطن، يعكس نقل الذهب الهولندي تحولًا يتجاوز إدارة الاحتياطيات، ويطرح علامات استفهام أوسع حول المكان الذي باتت العواصم الأوروبية تفضّل أن تضع فيه أصولها الأكثر حساسية في زمن الاضطرابات.