أعادت التفاهمات الأخيرة بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة ملفاً غامضاً يعود إلى سنوات الحرب الأهلية، بعدما ارتبط الإفراج عن خمسة لبنانيين بتعهد الحكومة اللبنانية البحث داخل أراضيها عن رفات يهود فُقد أثرهم منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وبحسب تقرير للصحافي إيتامار آيخنر في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، يقوم التفاهم على إفراج إسرائيل عن خمسة موقوفين لبنانيين، في مقابل تحرك الحكومة اللبنانية للبحث عن رفات يهود اختُطفوا أو قُتلوا خلال سلسلة من الحوادث بين عامي 1984 و1986. وكان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أعلن أن الأخير وجّه إلى تسريع الجهود الرامية إلى تحديد أماكن جثامين شخصيات تولّت رئاسة أو إدارة شؤون الطائفة اليهودية في لبنان وإعادتها، قائلاً إن هؤلاء اختُطفوا وقُتلوا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي على يد جماعات مسلحة. ووفق التقرير الإسرائيلي، بلغ عدد اليهود المقيمين في لبنان في مطلع ستينيات القرن الماضي نحو تسعة آلاف شخص، وكانت أوضاع الطائفة مستقرة نسبياً قبل أن تبدأ أعدادها بالتراجع تدريجياً بفعل الهجرة والتوترات السياسية والأمنية. ويشير التقرير إلى أنه في عام 1971 اختُطف أمين سر الطائفة اليهودية اللبنانية البروفيسور ألبرت إيليا، وكان يبلغ 69 عاماً، في بيروت، ثم اقتيد إلى دمشق حيث قُتل، وفق الرواية التي أوردتها الصحيفة. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، كان عدد أفراد الطائفة قد تراجع إلى نحو 1800 شخص، قبل أن يتسارع الانحسار خلال السنوات اللاحقة مع توسع رقعة الحرب وارتفاع المخاطر الأمنية. وبحسب "يديعوت أحرونوت"، بدأت إحدى أكثر المراحل غموضاً في هذا الملف في 15 آب 1984، حين اختُطف سليم مراد جاموس، البالغ 45 عاماً، والذي كان يشغل منصب الأمين العام للطائفة اليهودية اللبنانية. وتقول الرواية التي نقلتها الصحيفة إن ثلاثة مسلحين أخرجوه من سيارته قرب الكنيس ومركز الطائفة في منطقة وادي أبو جميل غرب بيروت، قبل أن يُفقد أثره. ولم يُعثر على جثمان جاموس، فيما بقي مصيره مجهولاً لسنوات طويلة. وفي 29 آذار 1985، تعرض عدد من الشخصيات المرتبطة بالطائفة اليهودية لعمليات خطف إضافية، وكان من بينهم رئيس الطائفة إسحاق ساسون، والطبيب إيلي حلاق، وإيلي سرور، وحاييم كوهين حلالة وكليمان دانا. وبحسب التقرير، بقي مصير عدد من هؤلاء مجهولاً، فيما ظهرت لاحقاً معلومات أو جثامين مرتبطة ببعض المخطوفين. وبعد نحو شهر، اختفى أيضاً إسحاق تراب، الذي عرّفته الصحيفة بأنه أستاذ فخري في الرياضيات في "المدرسة الفرنسية للآداب" في بيروت. جثامين عُثر عليها ومصائر بقيت مجهولة وفي تموز 1985، اختُطف راوول مزراحي، الذي كان يشغل منصب القائم بأعمال رئيس الطائفة اليهودية، قبل العثور على جثته بعد نحو عشرة أيام. وفي تشرين الثاني من العام نفسه، أعلنت جهة حملت اسم "منظمة المستضعفين في الأرض"، ووصفتها "يديعوت" بأنها واجهة مرتبطة بحزب الله، مسؤوليتها عن خطف عدد من اليهود. وبحسب التقرير، اتهمت الجهة المخطوفين بالارتباط بجهاز الموساد الإسرائيلي، وربطت الملف في حينه بمطالب شملت انسحاب إسرائيل من لبنان والإفراج عن موقوفين. وفي كانون الأول 1985، عُثر على جثة حاييم كوهين حلالة بعدما قُتل برصاصة في الرأس، ثم عُثر في 31 كانون الأول من العام نفسه على جثة إسحاق تراب. وفي شباط 1986، اختُطف يهودا بنيستي وابنه إبراهيم، في وقت كان فيه ابن آخر للعائلة، يوسف بنيستي، قد اختُطف في مرحلة سابقة. وتشير الصحيفة إلى أنه عُثر لاحقاً على جثة إبراهيم بنيستي، فيما بقي مصير والده يهودا وشقيقه يوسف مجهولاً. وخلال الفترة نفسها، أعلن الخاطفون أيضاً قتل الطبيب إيلي حلاق، وأرسلوا إلى وسائل إعلام صورة قيل إنها تظهر جثته، إلا أن جثمانه لم يُعثر عليه، وفق الرواية التي أوردها التقرير. ويعود هذا الملف اليوم إلى الواجهة في ظل الاتصالات الجارية بين لبنان وإسرائيل، وبعدما دخلت قضية المفقودين اليهود ضمن النقاشات المرتبطة بالإفراج عن المحتجزين اللبنانيين. وكان نتنياهو قد التقى السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى والسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، في إطار المساعي الأميركية الرامية إلى دفع الاتصالات والمفاوضات بين الجانبين. ومع إعلان التفاهم على بدء البحث داخل لبنان عن رفات المفقودين، تنتقل قضية تعود إلى نحو أربعة عقود من سجلات الحرب الأهلية إلى قلب المسار التفاوضي الحالي. وبذلك، لم يعد ملف المحتجزين والمفقودين محصوراً بالقضايا الناتجة عن المواجهات الأخيرة، بل امتد ليشمل ملفات تاريخية ظلت معلّقة منذ ثمانينيات القرن الماضي، مع محاولة إعادة فتحها وكشف مصير شخصيات اختفت خلال واحدة من أكثر مراحل الحرب الأهلية اللبنانية اضطراباً.