يترقّب اللبنانيون مسار مشروع الموازنة بعد إحالته إلى الحكومة تمهيدًا لدرسه وإحالته إلى مجلس النواب، وسط تحديات اقتصادية ومالية لا تزال تثقل كاهل البلاد، وفي قراءة أولية للمشروع، يعتبر رئيس تجمّع الشركات اللبنانية والخبير الاقتصادي الدكتور باسم بواب أن الموازنة الجديدة لا تختلف كثيرًا عن سابقتها، فيما تبقى الإشكالية الأساسية، برأيه، في غياب الإجراءات الكفيلة بتحفيز النمو وإشراك القطاع الخاص في رسم السياسات الاقتصادية والمالية. ورأى الدكتور باسم بواب، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن مشروع الموازنة الذي أُحيل إلى الحكومة اليوم، تمهيدًا لدرسه وإحالته إلى مجلس النواب، لا يختلف كثيرًا عن مشروع الموازنة السابق، لافتًا إلى أن التعديلات التي طرأت عليه تقتصر إلى حد كبير على بعض الإضافات في الضرائب والرسوم. وقال البواب إن مشروع الموازنة الحالي هو موازنة من دون عجز، وقد أُعدّ على أساس تحقيق فائض بحدود 400 مليون دولار، إلا أنه لا يتوقع تحقق هذا الأمر إلا في حال تحسّن الوضع في لبنان بشكل كبير. وأوضح أنه في حال بقي الوضع على ما هو عليه اليوم، فإن المصاريف ستواصل الارتفاع، في حين أن الإيرادات ستبقى متراجعة أو لن تسجل زيادة، ما يجعل تحقيق الفائض أمرًا صعبًا. وأشار إلى أن من حسنات مشروع الموازنة أنه لا يتضمن عددًا كبيرًا من الضرائب الجديدة، كما أنه لا يتضمن عجزًا في الموازنة، إلا أن له في المقابل الكثير من السلبيات. وقال إن أولى هذه السلبيات أن الموازنة لا تحفّز النمو، ولا تتضمن إجراءات أو مشاريع من شأنها تحفيز الاقتصاد، معتبرًا أن القسم الأكبر من الإنفاق يذهب إلى الرواتب والمصاريف التي تتحملها الدولة، من دون بنى تحتية، ومن دون إطلاق مشاريع جديدة. وأضاف أن هذا الأمر خطأ، خصوصًا بعد الحرب وبعد التراجع الكبير الذي شهده الاقتصاد اللبناني، مشيرًا إلى أنه كان يفترض، بدلًا من العودة إلى الوضع السابق، أن يشعر اللبنانيون بوجود تحسّن وتطوّر ونمو اقتصادي. وأكد البواب أن هذه الموازنة تبدو نسخة أخرى من الموازنة السابقة، ولكن من دون مراعاة للظروف التي مرّ بها لبنان، سواء لجهة السلبيات الناجمة عن الحروب والتراجع الاقتصادي، أو لجهة المرحلة المقبلة في حال حصول انتعاش اقتصادي، حيث يفترض أن يكون هناك انتعاش ونمو في الاقتصاد. وأضاف أن هذا هو الرأي الأولي في مشروع الموازنة، مرجّحًا أن تمرّ في مجلس النواب من دون صعوبات كبيرة، باعتبار أنها لا تتضمن تعديلات كثيرة، إلا أن ذلك، برأيه، ليس طموح القطاع الخاص. وشدد البواب على أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الكثير من العمل، منتقدًا في الوقت نفسه عدم إشراك القطاع الخاص في إعداد السياسات الاقتصادية والمالية. وقال: "المشكلة أنه لا يتم إشراك القطاع الخاص، ولا يتم إشراك الهيئات الاقتصادية، فمن المهم جدًا أن تشارك الهيئات الاقتصادية، لأننا نعرف ماذا يجب أن نفعل، وكيف يجب أن ندير الاقتصاد، وكيف يجب أن نطوّر الاقتصاد". وأضاف أن القطاع الخاص نجح في إدارة شركاته، ويمكنه أن ينجح أيضًا بالتعاون مع الدولة، إلا أن الدولة، بحسب تعبيره، "تعمل بطريقة مخفية كثيرًا"، في إشارة إلى غياب التشاور الكافي مع القطاع الخاص والهيئات الاقتصادية حول القرارات الاقتصادية والمالية. ولفت إلى أن هناك اليوم مشاريع أخرى تُطرح، من بينها موضوع الضرائب والضريبة الموحدة وسواها من الإجراءات، لكن لا تتم مشاركة الهيئات الاقتصادية والقطاع الخاص فيها أيضًا. وانتقد فرض بعض الضرائب والرسوم أحيانًا من دون الأخذ برأي القطاع الخاص، مشددًا على ضرورة دراسة انعكاس أي إجراء ضريبي على المجتمع والاقتصاد، ومعرفة تأثيره على الوضع الاجتماعي والاقتصادي والمالي قبل إقراره. وختم البواب بالتأكيد أن المطلوب ليس مجرد إعداد موازنة بلا عجز، بل موازنة تواكب الظروف الاقتصادية التي يمر بها لبنان، وتساهم في تحفيز النمو والاستثمار، وتضع أسسًا واضحة للمرحلة المقبلة، بالتوازي مع إشراك القطاع الخاص والهيئات الاقتصادية في رسم السياسات المالية والاقتصادية.