على مدى 11 عاماً، امتلكت "قسد" في شمال شرق سوريا جيشاً وإدارة وموارد ومعابر شكّلت عناصر سلطة موازية. وبإعلان مظلوم عبدي حلّ "قوات سوريا الديموقراطية" و"الإدارة الذاتية" ودمجهما في مؤسسات الدولة، تستعيد دمشق السيادة والقرار العسكري، فيما تنتقل القوة الكردية إلى صفوف الجيش والأمن والإدارة، وتقترب تركيا من تحقيق مطلبها الأساسي. بهذا الإعلان، ينتقل الخلاف الكردي مع دمشق من الأرض والسلاح إلى الدستور والتمثيل والإدارة المحلية، ويتشابك مصير شمال شرق سوريا بصورة أوثق مع مسار عبد الله أوجلان و"حزب العمال الكردستاني" في تركيا. فماذا كسبت دمشق، وأي حضور احتفظ به الأكراد داخل الدولة؟ من سلطة موازية إلى نفوذ داخل الدولة حقق إعلان الحل جوهر ما طالبت به دمشق منذ اتفاق 10 آذار/مارس 2025، بإنهاء القيادة العسكرية المستقلة، واستعادة النفط والمعابر والمؤسسات العامة، وتوحيد المرجعيات السيادية. وجرى الدمج العسكري بصيغة حافظت، في أجزاء منها، على تشكيلات جغرافية يقودها ضبّاط كانوا في "قسد"، بينها ألوية في الحسكة والقامشلي وديريك وكوباني. دخل قسم واسع من المقاتلين الجيش السوري، وانتقلت قوات الأمن المحلية إلى وزارة الداخلية، وكوادر الإدارة إلى المؤسسات الحكومية، فيما بقيت الأحزاب والأطر السياسية الكردية قائمة. وهكذا لم تختفِ القوة التي راكمتها "قسد" خلال سنوات الحرب، ولكن تغيّر موقعها القانوني والسياسي. وتكشف هذه الصيغة حدود المركزية الجديدة. فقد انتقلت المرجعية القانونية والقيادة العسكرية إلى دمشق، فيما بقيت القوى المنتشرة في المناطق الكردية محلية إلى درجة كبيرة، واستمر اعتماد الأمن الداخلي على عناصر من أبناء المنطقة. وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه عبدي حل "قسد"، أعلنت وزارة التربية بدء تدريس اللغة الكردية في المدارس السورية للمرة الأولى، تنفيذاً للمرسوم الذي نص على أن الأكراد جزء أصيل من الشعب السوري، واعتبر الكردية لغة وطنية. تنهي دمشق بذلك المؤسسة الموازية، وتستوعب في الوقت نفسه بعض مطالبها داخل الدولة. يصعب فصل هذا التحوّل عن مسار عبد الله أوجلان في تركيا. ففي 27 شباط/فبراير 2025، دعا زعيم "حزب العمال الكردستاني" التنظيم إلى إلقاء السلاح وحلّ نفسه. وبعد 11 يوماً، وقّع عبدي والرئيس أحمد الشرع اتفاق 10 آذار الذي فتح مسار دمج "قسد" في الدولة. حاول عبدي منذ البداية الفصل بين المسارين، مؤكداً أن دعوة أوجلان تخصّ "العمال الكردستاني" ولا تشمل قواته في سوريا، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن السلام في تركيا سيخفف الضغط العسكري على "قسد". وفي الأشهر التالية، أصبحت أنقرة أكثر وضوحاً في مطالبتها بأن ينعكس إنهاء البنية المسلحة المستقلة المرتبطة بـ"العمال الكردستاني" خارج الحدود أيضاً. ثم انعكس اتجاه التأثير. فبعد اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن تقدم التسوية بين دمشق و"قسد" خفف الضغط على عملية السلام داخل تركيا. وهكذا ضيّق مسار أوجلان مساحة استمرار "قسد" تنظيماً مسلحاً مستقلاً، فيما أزال حلها واحدة من أعقد العقبات أمام التسوية الكردية - التركية. مقاتلون أكراد من لواء القامشلي التابع لقسد يشاركون في عرض عسكري خلال مراسم تشييع 3 مقاتلين قُتلوا في معارك سابقة بحي الشيخ مقصود في حلب، في القامشلي في 21 آب/أغسطس 2026. (أ ف ب) معارك كانون الثاني غيّرت شروط الدمج استند حل "قسد" في آب/أغسطس إلى ميزان قوى فرضته معارك كانون الثاني. فقد تقدمت القوات السورية في مناطق واسعة من الرقة ودير الزور والحسكة، وخسرت "قسد" جزءاً كبيراً من الأرض والموارد التي كانت تمنحها وزناً تفاوضياً، فيما انتقلت الولايات المتحدة من حماية الوضع القائم إلى دفع عبدي نحو الاندماج. في نهاية عام 2025، كانت واشنطن لا تزال تحاول إنقاذ اتفاق يسمح لـ"قسد" بإعادة تنظيم عشرات الآلاف من المقاتلين ضمن تشكيلات كبيرة. وبعد معارك كانون الثاني، أصبحت الأولوية الأميركية تثبيت سلطة دمشق، مع ضمان حقوق الكرد ومنع انهيار شريكتها السابقة في الحرب على "داعش". وبعد ساعات من إعلان الحل، وصف المبعوث الأميركي توم براك الخطوة بأنها "حدث تاريخي"، واختصر معناها السياسي بعبارة "جيش واحد، حكومة واحدة، دولة واحدة". ويكشف موقفه جوهر السياسة الأميركية الجديدة. فواشنطن تريد إنهاء الكيان العسكري المستقل، مع انتقال حقوق قاعدته الاجتماعية وقسم من كوادره إلى الدولة الجديدة. تلتقي هذه الصيغة مع المطلب التركي الأساسي أكثر مما تتعارض معه. فقد ركزت أنقرة طوال المفاوضات على إنهاء البنية العسكرية المستقلة، وقطع الصلات العابرة للحدود، ووضع السلاح تحت سلطة دمشق، أكثر من تركيزها على تسريح كل مقاتل كردي. وكان وزير الخارجية هاكان فيدان قد قال إن ترتيبات الشرطة والأمن المحلي يمكن أن تتفق عليها دمشق والأكر