المعادلة التي تفرض نفسها اليوم تبدو واضحة، إسرائيل تريد جيشاً لبنانياً أكثر اندفاعاً في تنفيذ رؤيتها الأمنية للجنوب، بينما يتمسك الجيش بحدود مهمته الوطنية وبحقه في تحديد آليات عمله وفق قرارات الدولة اللبنانية والاتفاقات المعترف بها، لا وفق الإملاءات الإسرائيلية. ومن هنا يمكن فهم الحملة المتصاعدة التي تتهم الجيش بالتقصير، أو بالتنسيق مع "حزب الله"، أو بعدم القيام بما يكفي لتفكيك بنيته العسكرية. الأخطر من الاتهامات نفسها هو محاولة إسناد مواقف إلى ضباط في المؤسسة العسكرية، بما يوحي بوجود خلافات داخلية حول الانسحاب الإسرائيلي أو حول طريقة التعامل مع "حزب الله". فاستهداف صورة المؤسسة قد يكون جزءاً من محاولة الضغط على قيادتها وإضعاف قدرتها على اتخاذ موقف مستقل. لكن الجيش اللبناني يبدو مدركاً لطبيعة المعركة. فالقبول بتحويل المطالب الإسرائيلية إلى أوامر تنفيذية يعني عملياً تغيير وظيفة المؤسسة العسكرية. الجيش ليس قوة أمنية تعمل بالوكالة عن إسرائيل، ولا جهازاً تنفيذياً تابعاً لأي جهة خارجية. مهمته الأساسية حماية الأرض اللبنانية، بسط سلطة الدولة، حفظ الأمن ومنع الانزلاق إلى الفتنة، وهي مهام لا يمكن فصلها عن البيئة السياسية والاجتماعية التي يعمل داخلها. وتزداد حساسية المشهد عندما تتوسع المطالب الإسرائيلية لتتجاوز المناطق التي انتشر فيها الجيش، وتصل إلى البحث عن أسلحة في مناطق أخرى، أو طلب الدخول إلى أملاك خاصة، أو التعامل مع معلومات أمنية مصدرها الجانب الإسرائيلي. هنا لا يعود الخلاف تقنياً حول كيفية تنفيذ الاتفاق، بل يصبح خلافاً على مفهوم السيادة نفسه. فإذا كان الجيش اللبناني مطالباً بالتحرك بناءً على معلومات إسرائيلية، فمن يحدد حدود العملية؟ ومن يقرر طبيعة الهدف؟ ومن يتحمل مسؤولية التداعيات؟ والأهم: من يضمن ألا تتحول المعلومات الإسرائيلية إلى مدخل دائم للتدخل في الداخل اللبناني؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلية، لأنها تمس جوهر العلاقة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل. فالجيش يستطيع أن يفرض الأمن حيث ينتشر، وأن يصادر السلاح عندما تتوافر المعطيات والغطاء القانوني، وأن يمنع أي نشاط مسلح خارج سلطة الدولة. لكنه لا يستطيع أن يتولى تنفيذ أجندة أمنية إسرائيلية، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال والخروقات والضربات وعدم اكتمال الانسحاب. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. كيف يمكن مطالبة الجيش اللبناني بإثبات نجاح نموذج أمني في الجنوب، فيما لا تزال إسرائيل تحتفظ بمواقع محتلة، وتواصل خروقاتها، وتعتبر مناطق تقع تحت سيطرتها النارية جزءاً من نطاق عمليات الجيش اللبناني؟ وكيف يمكن بناء الثقة المطلوبة بين الطرفين إذا كان أحدهما يطالب الآخر بتنفيذ التزاماته، بينما يبقي التزاماته هو نفسه موضع تفاوض؟ المناطق التجريبية، إذا أريد لها أن تكون نموذجاً للاستقرار، لا يمكن أن تتحول إلى مناطق أمنية معزولة عن سكانها. نجاحها لا يقاس فقط بعدد الدوريات أو عمليات ضبط السلاح، بل بقدرة الدولة على إعادة الحياة إليها، وعودة السكان، ووقف الاعتداءات، وتأمين إعادة الإعمار، وتعزيز قدرات الجيش. وإلا فإن التجربة تصبح أقرب إلى منطقة عازلة تؤدي وظيفة واحدة: توفير هامش أمني لإسرائيل. وهذا تحديداً ما يرفضه الجيش اللبناني. فالمطلوب منه، وفق القراءة الإسرائيلية، يبدو أحياناً أقرب إلى تنظيف الأرض أمنياً وتأمينها قبل أن تصبح قابلة لإعادة الاستخدام العسكري الإسرائيلي. وإذا صح هذا المنطق، فإن الجيش يتحول من قوة وطنية تنتشر لحماية أرضها إلى قوة تمهّد، من حيث لا تريد، لعودة الاحتلال إليها. ولا يبدو أن المؤسسة العسكرية مستعدة للذهاب في هذا الاتجاه. لكن الضغط لن يتوقف عند حدود المطالب الأمنية. إسرائيل تدرك أن الجيش يمثل إحدى المؤسسات القليلة القادرة على الحفاظ على تماسك الدولة اللبنانية في الجنوب، ولذلك فإن ضرب صورته أو التشكيك في أدائه يمكن أن يؤدي إلى إضعاف موقعه الداخلي. والأخطر أن دفع الجيش إلى مواجهة مباشرة مع البيئة الجنوبية قد يفتح الباب أمام صدام أهلي، وهو السيناريو الذي يشكل خطراً على المؤسسة نفسها وعلى الاستقرار اللبناني بأكمله. ومن هنا، فإن تمسك قيادة الجيش بعدم الانجرار إلى هذه المواجهة لا يعني رفض بسط سلطة الدولة، بل على العكس. الجيش يريد أن يفرض سلطة الدولة، لكن من موقع الدولة اللبنانية لا من موقع الوكيل الأمني لأي طرف. أما الولايات المتحدة، فتبدو أمام معادلة أكثر تعقيداً. فهي من جهة تنقل الملاحظات والضغوط الإسرائيلية، ومن جهة أخرى تدرك أن انهيار الجيش أو دخوله في مواجهة داخلية سيكون خسارة استراتيجية لها أيضاً. ولذلك قد يكون الهدف الأميركي هو الضغط على المؤسسة العسكرية لتوسيع إجراءاتها ضد «حزب الله»، لكن من دون الوصول إلى نقطة تفقد معها المؤسسة قدرتها على ضبط الشارع أو الحفاظ على تماسكها. وف