لم تعد المواجهة بين موسكو وبرلين محصورة بتداعيات الحرب في أوكرانيا، بعدما بدأت ألمانيا تتحدث بصورة علنية عن "حرب ظل" روسية تجري على أراضيها، تستخدم فيها المسيّرات والمتفجرات وتجنيد عناصر محليين لتنفيذ عمليات تخريبية، بالتوازي مع تحرك ألماني لتعزيز قدراته العسكرية بعيدة المدى، شمل اختبار صاروخ باليستي إسرائيلي. وبحسب تقرير للصحافيين شاي ليفي وأرنون شفارتسمان في موقع "ماكو" الإسرائيلي، كان الأسبوع الحالي محطة بارزة في تصاعد التوتر بين برلين وموسكو، مع الكشف عن مسيّرة مفخخة داخل مطار ألماني، والتحقيق في صلات محتملة بين سلسلة حوادث غامضة شهدتها دول أوروبية والكرملين، إلى جانب رسالة عسكرية هجومية بعث بها الجيش الألماني عبر تجربة صاروخ إسرائيلي. ويرى الجانب الألماني أن الحرب الدائرة في أوروبا لم تعد تقتصر على ساحات القتال في أوكرانيا، إذ تتهم برلين روسيا بإدارة حملة سرية داخل الأراضي الألمانية، تعتمد على المسيّرات والمواد المتفجرة وتجنيد جهات محلية لتنفيذ عمليات تخريب. وكان أبرز هذه الحوادث قد وقع خلال الليلة الفاصلة بين 4 و5 آب في مطار لايبزيغ/هاله، حيث عُثر داخل المنطقة الأمنية المحصنة في المطار على مسيّرة صغيرة تحمل نحو 600 غرام من مادة "الهكسوجين" المتفجرة المعروفة بـRDX. وعُثر على المسيّرة بالقرب من طائرة شحن من طراز "أنتونوف An-124" تابعة لشركة طيران أوكرانية، كانت متوقفة في المطار الذي يُستخدم أيضًا مركزًا لوجستيًا لحلف شمال الأطلسي "الناتو" لنقل معدات عسكرية إلى أوكرانيا. ولم يقع الانفجار نتيجة خلل في صاعق العبوة، فيما أشارت الرواية الألمانية إلى أن تفجيرها كان يمكن أن يؤدي إلى وقوع إصابات، وشل حركة المطار، وضرب مسار إمداد يُستخدم لدعم أوكرانيا. وبالنسبة إلى برلين، لم تكن خطورة الحادث مرتبطة فقط بالأضرار التي كان يمكن أن تلحق بالطائرة، إذ إن نجاح العملية، وفق التقديرات الألمانية، كان سيتيح لموسكو تعطيل بنية تحتية حيوية وإحداث تأثير معنوي وإعلامي كبير، من دون اللجوء إلى استخدام قوة عسكرية علنية ضد ألمانيا. وفي خطوة وُصفت بأنها غير اعتيادية، اتهم وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت ووزير الخارجية يوهان فاديفول أجهزة الاستخبارات الروسية بالوقوف خلف محاولة الاستهداف. وبحسب الاستخبارات الألمانية، تتيح هذه الطريقة لموسكو إبقاء مسافة فاصلة بين الكرملين وبين الأشخاص الذين ينفذون العمليات فعليًا، إذ يُشتبه في أن جهات روسية توفر المتفجرات والمسيّرات والخبرة المهنية، في حين تُنفذ المهمات ميدانيًا بواسطة أشخاص جرى تجنيدهم داخل ألمانيا. ووفق التقرير، تشمل هذه العناصر مواطنين محليين ومرتزقة يحصلون على أموال لقاء تنفيذ مهمات محددة، فيما لا يكون بعضهم بالضرورة على دراية بالهيكل الاستخباري الأوسع الذي يقف خلف المهمة. وبالتزامن مع التحقيق في حادثة لايبزيغ، وقع حادث آخر في ولاية براندنبورغ الألمانية، حيث لحقت أضرار جسيمة بخطوط توتر كهربائي مرتفع، كما عُثر على عبوة ناسفة بالقرب من محطة فرعية تابعة لشبكة الكهرباء. وبحسب التقارير، استخدم المنفذون صواريخ حملت مواد موصلة للكهرباء، وأصابت خطوط التوتر، ما تسبب بحالات قصر كهربائي أدت إلى التوقف التلقائي لوحدة إنتاج في محطة يانشفالده للطاقة. وفي هذه الحادثة، لم تسارع السلطات الألمانية إلى توجيه الاتهام إلى روسيا، إذ جرى في المراحل الأولى من التحقيق درس احتمال تورط ناشطين من اليسار المتطرف أو جهات إجرامية محلية. ومع ذلك، يربط مسؤولون في الاستخبارات الألمانية الحادث بظاهرة أوسع تشمل محاولات استهداف منشآت وبنى تحتية حيوية. وفي ألمانيا ودول أوروبية أخرى، تجري دراسة الروابط المحتملة بين حوادث متشابهة تضمنت محاولات تخريب واستخدام مسيّرات وضبط مواد متفجرة، فيما وردت أسماء بولندا وبريطانيا وإيطاليا وبلغاريا ورومانيا ضمن الصورة الأوسع التي يجري التحقيق فيها. ولا تقتصر المنشآت التي تُعد عرضة للاستهداف على المطارات، إذ تُعتبر محطات الطاقة والموانئ وشبكات الاتصالات وكابلات الاتصالات البحرية والسكك الحديدية نقاط ضعف محتملة، نظرًا إلى أن ضربها يمكن أن يؤدي إلى أضرار واسعة حتى من دون تنفيذ هجوم عسكري شامل. وفي موازاة الحديث عن الحملة السرية، تتحرك ألمانيا أيضًا لتعزيز قدراتها الهجومية، إذ أجرت، بعد ساعات من توجيه الاتهامات إلى روسيا، تجربة في شمال المحيط الأطلسي على الصاروخ الباليستي الإسرائيلي "LORA"، من إنتاج الصناعات الجوية الإسرائيلية. ويبلغ المدى المعلن للصاروخ نحو 500 كيلومتر، ويُفترض أن يمنح ألمانيا قدرة إضافية على تنفيذ ضربات بعيدة المدى. ووصف قائد البحرية الألمانية يان كريستيان كاك التجربة بأنها إنجاز مهم على صعيد الردع والجهوزية للدفاع البحري. وفي الوقت نفسه، تواصل ألمانيا العمل على ت