منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 شباط (فبراير) الماضي، واجه العالم واحدة من أعنف صدمات الطاقة منذ سبعينيات القرن الماضي. وبينما انشغل الاقتصاديون بالبحث عن سبل التحوط من تداعيات الحرب وخطر عودة الركود التضخمي بفعل ارتفاع أسعار الطاقة، وجد الاقتصاد العالمي دعماً من مصدر غير تقليدي: طفرة تاريخية في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي. هذه الموجة الهائلة من الاستثمارات أبقت قطاعات واسعة من الاستثمار والتجارة والأسواق في حالة توسع، وساعدت على امتصاص جزء من الضربة التي وجهتها أسعار النفط والغاز إلى النمو العالمي. ويقول الباحث الاقتصادي ومحلل أسواق المال سمير رؤوف لـ"النهار" إن صمود الاقتصاد العالمي، مدعوماً بالطلب الكثيف المرتبط بالذكاء الاصطناعي، لا يعني أن تكلفة الأزمة اختفت، بل إنها أعيد توزيعها. فقد ازدهرت شركات الرقائق ومراكز البيانات والاقتصادات المصدرة للتكنولوجيا، في مقابل تحمّل المستهلكين والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة العبء الأكبر. جدار استثماري في مواجهة صدمة الطاقة بدأت الصدمة مع اضطراب إمدادات الطاقة عبر الخليج ومضيق هرمز، ما أدى إلى انخفاض التدفقات اليومية من النفط عالمياً بنحو 13%، ومن الغاز الطبيعي المسال بنحو 20%، وفق تصريحات للمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا نقلتها "رويترز". وقفز خام برنت بنحو 64% خلال آذار (مارس)، متجاوزاً مستوى 100 دولار للبرميل، ومسجلاً أكبر ارتفاع شهري في البيانات المتاحة منذ 1988. نظرياً، كان من شأن قفزة بهذا الحجم أن تضغط بقوة على الاستهلاك والاستثمار، وتعيد شبح الركود التضخمي إلى الاقتصادات الكبرى. لكن ذلك تزامن مع استمرار شركات التكنولوجيا في تنفيذ واحدة من أضخم دورات الإنفاق الرأسمالي في التاريخ الحديث. وتقدّر "إس آند بي غلوبال فيزيبل ألفا" إنفاق مايكروسوفت وأمازون وألفابت وميتا على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بنحو 635 مليار دولار في 2026، مقارنة بـ383 مليار دولار في 2025، ونحو 80 مليار دولار فقط في 2019. وتعكس التقديرات الأطول أجلاً حجم التحول الجاري. فشركة "ماكينزي" تتوقع حاجة مراكز البيانات عالمياً إلى استثمارات تراكمية تقارب 6.7 تريليونات دولار حتى 2030، منها 5.2 تريليونات لتلبية الطلب المرتبط بأحمال الذكاء الاصطناعي وحدها. أما "غولدمان ساكس للأبحاث"، فيقدّر الإنفاق الرأسمالي لكبرى شركات الحوسبة السحابية بنحو 5.3 تريليونات دولار بين 2025 و2030، فيما يصل تقديره الأوسع للاستثمارات المطلوبة في قدرات الحوسبة ومراكز البيانات والطاقة إلى نحو 7.6 تريليونات دولار بين 2026 و2031. ويرى رؤوف أن هذه الأموال لا تبقى داخل شركات التكنولوجيا، بل تتحول إلى طلب واسع على البناء والمعدات الكهربائية وأنظمة التبريد والتمويل والطاقة والخوادم وشبكات الاتصال، وهو ما ساعد جزئياً في تعويض تراجع الاستثمار في قطاعات أكثر تضرراً من أزمة الطاقة. التفاؤل بنمو الذكاء الاصطناعي أنقذ وول ستريت من تشديد نقدي مرتقب (أ ف ب) من وادي السيليكون إلى مصانع آسيا الأثر لا يتوقف عند الاقتصاد الأميركي. يشير رؤوف إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي تحولت تدريجياً إلى دورة تصدير وتصنيع عالمية تشمل أشباه الموصلات والذاكرة والخوادم وأجهزة الحاسوب ومعدات الشبكات والبنية التحتية للطاقة. وأظهرت بيانات آب (أغسطس) توسع النشاط الصناعي في عدد من الاقتصادات الآسيوية، مدفوعاً بصورة أساسية بالطلب القوي على أشباه الموصلات والتجهيزات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما يعكس اتساع دائرة المستفيدين من الطفرة التكنولوجية إلى خارج الولايات المتحدة. وتقدم كوريا الجنوبية المثال الأكثر وضوحاً. فقد ارتفعت صادراتها في آب 68.7% على أساس سنوي إلى أكثر من 98 مليار دولار، فيما قفزت صادرات أشباه الموصلات 209% إلى مستوى قياسي بلغ 46.65 مليار دولار. وقالت غورغييفا لصحيفة "فايننشال تايمز" إن انتشار استثمارات الذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة مرشح لتوفير دعم إضافي للاقتصاد العالمي، بعدما تحولت البنية التحتية الرقمية إلى محرك للنمو في عدد متزايد من الدول. التفاؤل بالذكاء الاصطناعي خفف الضغوط المالية لم يقتصر الأثر على الاقتصاد الحقيقي. فبحسب رؤوف، ساهم التفاؤل بأرباح الذكاء الاصطناعي في دعم أسواق الأسهم وإبقائها عند مستويات مرتفعة نسبياً رغم صعود أسعار النفط وعوائد السندات. وساعد ذلك في الحفاظ على جزء من ثروات الأسر، وأتاح للشركات الاستمرار في الوصول إلى التمويل في ظروف كان يمكن أن تكون أكثر تشدداً بكثير. بمعنى آخر، عمل الذكاء الاصطناعي في مسارين متوازيين: الأول عبر الاستثمار المباشر في البنية التحتية، والثاني عبر دعم تقييمات الشركات والأسواق المالية. وساعدت طفرة الاستثمار التكنولوجي الاقتصاد العالمي على امت