ثمة كلماتٌ لا تُولد في السياسة، وإن كانت السياسةُ تكثر من استعارتها. كلماتٌ لها موطنٌ أصيل في القانون، وحدودٌ رسمها المشرّع لها؛ فإذا غادرت موطنها، تغيّر معناها، وربما تغيّرت وظيفتها. ومن بين هذه الكلمات يبرز العذر.ففي قانون العقوبات، لم يترك المشرّع باب الإعفاء مفتوحاً أمام كل ظرفٍ أو تفسير، بل وضع أسباب الإعفاء من العقوبة، أو تخفيضها، أو تشديدها ضمن أحكام محددة، وجعل العذر المُحِلّ استثناءً لا يقوم إلا في الحالات التي عينها القانون. وكأن القاعدة تقول ببساطة شديدة: المسؤولية هي الأصل، والإعفاء استثناء. وهذه القاعدة، إن ولدت في القانون، تحمل معنى يتجاوز حدوده.فأن نفهم لماذا وقع الخطأ لا يعني أن الخطأ لم يقع. وأن نعرف الظروف التي أحاطت بالقرار لا يعني أن القرار فقد نتائجه. التفسير يشرح الواقعة، لكنه لا يمحو المسؤولية عنها. ومن هنا تبدأ المسافة بين العذر والتبرير؛ فالعذر حيث اعترف به القانون، استثناء مضبوط، أما التبرير حين يتحول إلى عادة، فقد يصبح وسيلة لإعادة صياغة الخطأ، حتى يبدو كأنه لم يكن خطأً أصلاً.لكن ماذا يحدث حين يغادر العذر سياجه القانوني ويدخل إلى رحاب السياسة؟في السياسة لا تنقص الأسباب: أزمةٌ ورثناها، وظرفٌ لم نختره، وإمكاناتٌ لم تكن متاحة، وضغوطٌ لم يكن بالإمكان تجاوزها، وواقعٌ كان أقوى من الإرادة. وقد تكون هذه كلها حقائق، لكن الحقيقية التي لا ينبغي أن تضيع بينها هي أن الظرف يفسّر القرار، ولا يتولى المسؤولية عن صاحبه؛ فالسياسة لا تُقاس فقط بما أراده أصحاب القرار، بل بما يترتب على قرارتهم في حياة الناس. ومن يتولّى الشأن العام، لا يُطلب منه أن يكون معصوماً من الخطأ، بل أن يعرف أن الثقة التي مُنحت له ليست امتيازاً بلا تبعات، وأن القرار الذي يتخذه يترك أثراً يستحق ان يُسأل عنه. ولعل أخطر ما تفعله التبريرات أنها لا تُسقط المسؤولية دفعةً واحدة، بل تؤجلها. يأتي التفسير اليوم، ثم ظرفٌ غداً، ثم سببٌ بعده، حتى تصبح المسؤولية موعداً مؤجلاً لا يأتي، وكلما طال التأجيل، خفّ وقع السؤال، حتى يعتاد الناس أن يسمعوا لماذا لم يحدث الشيء، وينسون أن يسألوا من كان عليه ان يجعله يحدث. وهنا يتحول الاستثناء إلى عادة، والعادة إلى ثقافة. والخطر عندئذٍ لا يعود في التبرير وحده، بل في المجتمع الذي يألفه، مجتمعٌ يتعلم أن يتعايش مع النتائج بدلاً من مساءلتها، وأن يستبدل المحاسبة بالصبر، والسؤال بالتفّهم، حتى يصبح غياب المسؤولية أمراً مألوفاً.ولا يعني ذلك أن كل ظرفٍ باطل، أو كل فشلٍ يستوجب عقوبة. فالدولة لا تُدار في ظروفٍ مثالية، والقرارات العامة محكومة أحياناً بقيودٍ حقيقية. لكن الاعتراف بتعقيد الواقع لا يعني إسقاط المسؤولية عنه. حتى الاعتذار، وهو فضيلة حين يكون اعترافاً، لا ينبغي أن يتحول إلى خاتمة للسؤال. فالاعتذار شجاعةٌ حين يفتح باب التصحيح؛ أما إذا جاء بديلاً عن تحمّل التبعات، فقد يتحوّل إلى وجهٍ آخر من وجوه التبرير. وليس المطلوب مسؤولين لا يخطئون، فهذا مطلب لا ينتمي إلى الواقع. المطلوب أن تبقى الصلة قائمةً بين القرار ونتيجته، والثقة ومسؤوليتها، والسلطة وتبعاتها. ومن هنا يعود السؤال إلى الناس. ليس لأنهم مسؤولون عن كلّ ما جرى، بل لأنهم أصحاب الحق في المعرفة والمساءلة، وفي ألا تتحول حياتهم إلى نتائج يُطلب منهم قبولها، ثم روايات يطلب منهم الاكتفاء بها. فالمواطنة ليست قدرةً على الاحتمال وحدها، ولا فضيلة الصبر إلى ما لا نهاية، إنها أيضاً وعيٌّ بالحق في السؤال: ماذا حدث؟ لماذا حدث؟ ومن كان مسؤولاً؟ وماذا سيفعل كي لا يتكرر؟ إن السؤال ليس خصومة مع الدولة، إنه أحد أشكال حمايتها.في القانون، يبقى العذر المُحِلّ استثناء لا يقوم إلا حيث أقامه النص. أما في الحياة العامة، فلا ينبغي أن يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والقاعدة إلى ثقافة، والثقافة إلى قبول هادئ بغياب المسؤولية. فليس المطلوب أن نلغي التفسير، ولا أن ننكر الظروف، المطلوب فقط ألا يتحول التفسير إلى إعفاء وألا يصبح الاعتذار بديلاً عن المحاسبة. وحين يصبح لكل إخفاقٍ عذر، لا تضيع المسؤولية وحدها، بل يضيع معها معنى الدولة.ولعل علينا، قبل أن نبحث عن تفسيرٍ أن نستعيد السؤال الذي لا تُبنى الدولةٌ من دونه. من المسؤول؟ فالسؤال في النهاية، ليس اتهاماً، بل هو أول أوجه حماية الحقيقة.