في لبنان، لم تعد الكهرباء مجرد أزمة خدماتية مزمنة، بل أصبحت صورة مكثفة عن أزمة الدولة نفسها. فالمواطن يدفع لمؤسسة كهرباء لبنان مقابل ساعات محدودة من التغذية، ثم يدفع للمولد الخاص كي يعوّض غيابها، وقد يضطر أيضاً إلى الاستثمار في الطاقة الشمسية والبطاريات والحلول البديلة ليؤمّن لنفسه خدمة يفترض أن تكون من أبسط واجبات الدولة. وهكذا، لم يعد اللبناني يدفع ثمن الكهرباء فقط، بل أصبح يدفع أيضاً ثمن غيابها. والمشكلة لا تقف عند حدود الفاتورتين. فالمولدات الخاصة كان يفترض أن تكون حلاً استثنائياً وموقتاً، لكن الاستثناء استمر لعقود حتى نشأ حوله اقتصاد كامل مرتبط بالمازوت واستيراده وتوزيعه وتشغيل المولدات وصيانتها، وبمصالح توسعت كلما تراجع حضور الدولة حتى تحولت العتمة إلى اقتصاد. ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: من يستفيد من استمرار غياب كهرباء الدولة؟ هذا السؤال يفرض البحث في شبكة المصالح التي نشأت حول هذا القطاع، وفي أي حماية سياسية أو مناطقية قد تكون منحت لمخالفات أو احتكارات. فحيث توجد مخالفة يجب تطبيق القانون، وحيث توجد شبهة فساد يجب التحقيق والمحاسبة. والدولة لا تواجه ما يسميه اللبنانيون «مافيا المولدات» بالشعارات، بل باستعادة دورها. لأن الحل الحقيقي ليس فقط تنظيم المولدات أو تخفيض كلفتها، بل بدعم وتطوير قطاع كهرباء يجعل المواطن غير مضطر أصلاً إلى اللجوء إليها. وهذا يفتح حكماً ملف إدارة قطاع الكهرباء نفسه، بما حمله طوال السنوات الماضية من خطط وصفقات وبواخر توليد وصفقات فيول وتساؤلات متراكمة حول كيفية إدارة الأموال العامة. ولهذا تكتسب خطوتان اتخذتا أهمية خاصة: تعيين أعضاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء في ١١ أيلول 2025، وإطلاق مسار المناقصة في 21 آب 2026 لإجراء التدقيق الجنائي في صفقات بواخر توليد الطاقة للأعوام 2012-2017 وصفقات الفيول المرتبطة بها. فتعيين الهيئة الناظمة خطوة ضرورية لتنظيم القطاع وتعزيز الرقابة والشفافية، فيما يشكل التدقيق الجنائي فرصة لكشف حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات بعيداً عن الاتهامات المسبقة. لكن إصلاح الكهرباء لا يتعلق فقط بحق المواطن في الحصول على التيار، فالكهرباء أيضاً شرط أساسي لأي اقتصاد منتج، ومن هنا يصبح إصلاح هذا القطاع جزءاً مباشراً من مستقبل الاستثمار في لبنان. وقد شهد لبنان أخيراً حراكاً اقتصادياً إماراتياً-لبنانياً لافتاً، وصولاً إلى تأسيس مجلس الأعمال الإماراتي اللبناني المشترك وعودة الحديث عن فرص الاستثمار والشراكات بين البلدين. وهذه فرصة حقيقية للبنان، خصوصاً في مرحلة يمكن أن تشكل بداية للبنان جديد يستعيد استقراره وثقة الخارج باقتصاده ومؤسساته، ويمكن للإمارات أن تكون من أبرز الداعمين لهذا المسار. لكن رأس المال لا يستثمر بالعاطفة، والمستثمر لا يأتي إلى بلد لمجرد أن هناك دعوة سياسية أو منتدى اقتصادياً. فالاستثمار يحتاج قبل كل شيء إلى الثقة: الثقة بالقانون، وبالمؤسسات، وباستقرار البلد، وبقدرة الدولة على توفير البيئة التي تحمي الاستثمار وتسمح له بالنمو والاستمرار. وهنا تحديداً نعود إلى السؤال الأبسط والأكثر واقعية أمام أي مستثمر يفكر في لبنان: أين الكهرباء؟ فمن يريد إنشاء مصنع أو فندق أو مستشفى أو شركة لا يفترض أن يكون عليه، فوق كلفة مشروعه، أن يؤمّن بنفسه مولداته ومازوتها وطاقة احتياطية ومنظومة بديلة للكهرباء. فيؤسس دولة موازية داخل مشروعه لتعويض ما لا تؤمّنه الدولة.. المطلوب إذاً أن نبني البيئة التي تجعل الاستثمار ممكناً ومستداماً، بدءاً من الكهرباء والبنية التحتية، مروراً بالإصلاح ومكافحة الفساد، وصولاً إلى مؤسسات قادرة على القيام بوظائفها. ولبنان لن يستعيد موقعه على خريطة الاستثمار عندما نقنع المستثمر بتحمل كلفة غياب الدولة، بل عندما نستعيد الدولة نفسها. فلا استثمار من دون ثقة، ولا ثقة من دون استقرار ومؤسسات، ولا ازدهار من دون دولة .