سجّل الملتقى الاقتصادي اللبناني–الإماراتي في بيروت اختراقاً لافتاً في مسار التعاون الاقتصادي العربي مع لبنان، بعد سنوات من الجمود بفعل تداخل العوامل السياسية مع الأزمتين المالية والنقدية. وحمل الحضور الإماراتي رسالة ثقة بالمستقبل، لكنه وضع العلاقة في الوقت نفسه أمام اختبار عملي: تحويل الفرص إلى مشاريع واستثمارات قابلة للتنفيذ. وأشاعت مشاركة نحو 87 شركة إماراتية أجواء تفاؤل، خصوصاً أن الوفد مثّل قطاعات واسعة، بينها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والحكومة الإلكترونية، والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي والزراعة والصناعة والطاقة والصحّة والسياحة والنفط والغاز. وتكتسب المشاركة دلالة إضافية في ظلّ استمرار المخاطر السياسية والأمنية، بما يوحي بأن الإمارات بدأت استكشاف الفرص بدل انتظار اكتمال الاستقرار. لكن الرسالة الإماراتية لا تبدو وعداً باستثمارات فورية، بل تبدو استعداداً لاختبار مشاريع محددة، شرط الجدوى الاقتصادية وتوافر بيئة قانونية وتنظيمية تحمي المستثمر وتسهّل التنفيذ. وفي المقابل، بدا الجانب اللبناني أكثر إدراكاً لضرورة الانتقال من "أعطونا" إلى "لدينا فرص"، أي تقديم لبنان كشريك تجاري يمتلك أصولاً وكفاءات ومشاريع، لا كاقتصاد ينتظر المساعدة. وزيرالتجارة الخارجية الإماراتي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي مع نائب رئيس الوزراء طارق متري (نبيل اسماعيل) وضع وزير التجارة الخارجية الإماراتي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي المعيار الأوضح للمرحلة المقبلة: نجاح العلاقات لا يقاس باللقاءات والبيانات، بل بالاستثمارات والشراكات والمشاريع التي تتحوّل إلى واقع، مع إعطاء القطاع الخاص الدور الأساسي في النموّ والابتكار وخلق الوظائف. وتعزز هذه الرؤية أرقام التجارة غير النفطية بين البلدين، التي بلغت 4.2 مليارات دولار عام 2025، بزيادة 35.6%. وتطرح الإمارات نفسها منصّة للشركات اللبنانية للتوسّع إقليمياً وعالمياً، مستفيدة من شبكة تضم 38 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة وتتيح الوصول إلى أكثر من 3.5 مليارات نسمة. ولا تنظر الإمارات إلى لبنان كسوق لرأس المال فقط، بل كمصدر للكفاءات، خصوصاً في التكنولوجيا والخدمات المالية والصحة والتعليم والسياحة والصناعات الإبداعية والخدمات المهنية. وهنا تقوم المعادلة على تكامل رأس المال الإماراتي مع رأس المال البشري اللبناني، بحيث تتوسع الشركات اللبنانية عبر الإمارات، بالتوازي مع دخول المستثمرين الإماراتيين إلى قطاعات لبنانية واعدة. أما وكيل دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي حمد صياح المزروعي فأكد أن "الإمارات مستعدة لاستقبال الشركات والكفاءات اللبنانية كمنصة للتوسع الإقليمي والعالمي، بالتوازي مع فتح المجال أمام المستثمرين الإماراتيين للاستثمار في لبنان، خصوصا في البنية التحتية والطاقة واللوجستيات والتكنولوجيا والأمن الغذائي والسياحة والصحة." التكنولوجيا والخدمات كبوابة أولى وحدد رئيس مجلس الأعمال اللبناني–الإماراتي عن الجانب الإماراتي حمد بو عميم، التكنولوجيا والخدمات كبوابة أولى محتملة، نظراً إلى الكفاءات اللبنانية وإمكان إطلاق هذه القطاعات باستثمارات أقل تعقيداً من المشاريع الصناعية الكبرى. ويشير ذلك إلى مسار تدريجي يبدأ بالشركات والخدمات والتجارة والمشاريع القائمة، ثم ينتقل إلى الصناعة والبنية التحتية مع تحسّن البيئة القانونية. وفي هذا السياق، شدد بو عميم على أهمية الاتفاقيات وحماية المستثمر، بما يجعل الأمان القانوني والتنظيمي عاملاً حاسماً في تحديد حجم الاستثمار ونوعه. وتعكس مشاركة نحو 80 مستثمراً ورجل أعمال إماراتياً تفاؤلاً بمستقبل لبنان، وسط أمل بأن تتحول الزيارة إلى مشاريع استثمارية فعلية لا إلى زيارة بروتوكولية. ولكن الملتقى أظهر أن المشكلة ليست في التمويل وحده، بل في قدرة الدولة على استقباله وتحويله إلى مشاريع. فالبيروقراطية وطول التراخيص قد يشكلان عائقا أكبر من نقص رأس المال. لذلك تصبح الرقمنة والحكومة الإلكترونية وتبسيط الإجراءات جزءاً من سياسة جذب الاستثمار، إلى جانب نقل الخبرة الإماراتية في التكنولوجيا والإدارة والتشغيل. ودعا رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير إلى تقديم فرص استثمارية ذات جدوى، خصوصاً في الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل والمرافئ، مع الاستفادة من الشراكة بين القطاعين العام والخاص والـBOT. فيما ركز رئيس مجلس الأعمال اللبناني–الإماراتي عن الجانب اللبناني وسيم ضاهر على أهمية تطوير القوانين وتسهيل الإجراءات وحماية المستثمر. ماذا بعد الملتقى؟ ضاهر أكد لـ"النهار" أن ثمة لجان ستعمل على متابعة مشاريع البنى التحتية التي يمكن أن تستثمر فيها الإمارات، مشددا على أهمية دعم الحكومة عبر تعديل القوانين وتسهيل الاستثمارات، ولا سيما عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص ونظام الـBOT. وأوضح أن القطاع الخاص