عندما فتحتُ الكاميرا لأقابل ديفيد كابريو، نجل القاضي الراحل المعروف بالقاضي الرحيم فرانك كابريو، كان الشبه بينهما كبيراً إلى درجة أنني نسيت للحظات أن العالم خسر ذلك القاضي الذي عرفه الملايين برحمته وإنسانيته. لكن مع الدقائق الأولى من الحديث، اكتشفت أن ديفيد لا يشبه والده في الملامح والابتسامة فحسب، بل في الروح والقيم أيضاً. عندها، بدت عبارة «من شابه أباه فما ظلم» في مكانها تماماً. ديفيد كابريو ليس مجرد "نجل القاضي فرانك كابريو". فهو محامٍ يعمل في مكتب "Caprio Law Firm" في بروفيدنس، وشغل عضوية مجلس نواب ولاية رود آيلاند بين عامي 1999 و2010. وهو خريج "Boston College" وكلية الحقوق في "Suffolk University"، كما عُيّن عضواً في مجلس التعليم عام 2022. تحدثنا قرابة ساعة، في لقاء لم أتخيّل يوماً أنني سأجريه. تبادلنا الابتسامات، ثم أخذنا الحديث إلى مساحة أكثر إنسانية، حيث حضرت الذكريات والدموع. فتح ديفيد قلبه وشاركنا حكايات من خلف الكواليس عن والده؛ لا القاضي الذي شاهده الملايين عبر الشاشات، بل الأب والرجل الذي كانت الرحمة جزءاً من حياته قبل أن تصبح سبباً في شهرته العالمية. هناك، للحظة، لم يكن أمامي نجل القاضي فرانك كابريو، بل ابنٌ يروي كيف ودّع أباه... وكيف يحاول اليوم أن يُبقي شيئاً منه حيّاً في هذا العالم. *بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعرفونك بصفتك نجل القاضي فرانك كابريو، من هو ديفيد كابريو بعيداً من هذا الاسم؟ -أنا واحد من خمسة أبناء، نشأت في عائلة مترابطة جداً، تعيش أجواءً جميلة ومليئة بالحيوية والفوضى المحببة. أصبحت محامياً عام 1994، وكان من حسن حظي أن أعمل إلى جانب والدي طوال مسيرتي المهنية. وعندما تحوّل إلى شخصية عالمية في سن الثمانين، كنت محظوظاً بأن أساعده في توسيع حضوره عبر التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي. لكن الحقيقة أنه لم يتغيّر إطلاقاً، بل استمر في أن يكون القاضي نفسه الذي كان عليه دائماً، إلى أن أتيحت للعالم أخيراً فرصة أن يراه كما هو. بالتأكيد لدي هويتي الخاصة، لكن أن أُعرف بأنني ابن القاضي فرانك كابريو هو أمر أفتخر به بشدة. إنه وسام شرف بالنسبة إليّ. * لا تزال تشارك مقاطع فيديو والدك وتحافظ على حضوره عبر الإنترنت. لماذا يُعدّ ذلك مهماً بالنسبة إليك؟ -لأن الناس لا يزالون يرغبون في مشاهدتها. صفحات والدي على مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت أكثر نشاطاً من أي وقت مضى، ورسالته لا تزال تصل إلى الناس في مختلف أنحاء العالم. بالنسبة إلينا، يتعلق الأمر بالحفاظ على ذكراه وإرثه، لكن الأهم هو تذكير الناس بما كان يؤمن به: لا بأس في أن تكون إنساناً طيباً. وإذا كنت تمتلك سلطة أو نفوذاً على شخص آخر، فيمكنك استخدامهما لمساعدته بدلاً من قمعه. القاضي فرانك كابريو في ملتقى أبوظبي الأسري 2022 والمذهل أيضاً هو مدى عالمية تأثيره. مقاطع الفيديو الخاصة به لا تُشاهد في الولايات المتحدة فقط، بل في مدن مثل دبي ومانيلا ولندن، وفي مدن مختلفة في الهند. ودبي تحديداً كانت لسنوات واحدة من أكبر المدن متابعةً لمحتواه. أعتقد أن هناك رابطاً ثقافياً حقيقياً، وتشابهاً في القيم وفي الطريقة التي تفاعل بها الناس مع رسالته. * سبق لك أن زرت دولة الإمارات. ما الانطباع الذي تركه الناس والثقافة لديك؟ -دُعي والدي مرتين للمشاركة في مؤتمرات في دولة الإمارات، مرة في أبوظبي وأخرى في الشارقة، واصطحبني مع إخوتي في الزيارتين. أول ما لفت انتباهنا كان مدى النظافة والعناية بكل شيء وجماله، لكن أكثر ما ترك أثراً فينا كان دفء الناس وودّهم. أتذكر أننا ذهبنا إلى أحد المراكز التجارية في دبي، فتعرّف الناس إلى والدي وبدأوا يتبعوننا، طالبين التقاط الصور والتحدث إليه. وكعادته، كان والدي يتوقف ويتحدث إلى الجميع. واللافت أن كثيرين لم يكتفوا بالقول: "نحن نعرفك"، بل كانوا يقولون له: "شكراً لك أيها القاضي. شكراً لأنك أظهرت الرحمة والتعاطف". كان ذلك مؤثراً للغاية، لأن إعجابهم به لم يكن نابعاً من شهرته فحسب، بل لأنهم وجدوا أنفسهم في القيم التي كان يمثلها: الرحمة والطريقة التي يمكن بها لشخص يمتلك السلطة أن يعامل الآخرين. القاضي فرانك كابريو في المنتدى الدولى للاتصال الحكومي * هل هناك كلمة أو رسالة سمعتها من شخص في الإمارات ولم تنسها؟ -أكثر ما بقي عالقاً في ذاكرتي هو أن الناس كانوا يقتربون من والدي ويقولون له ببساطة: "شكراً". من المؤثر جداً أن يأتي شخص غريب تماماً ويشكرك على شيء قمت به. كانوا يخبرونه أن طيبته وتعاطفه أثّرا في حياتهم وعلاقاتهم وعائلاتهم، وحتى في الطريقة التي يتعاملون بها مع الآخرين في أماكن عملهم. كان من المذهل أن نرى كيف يمكن لشيء بسيط، كإظهار قاضٍ بعض الرحمة داخل قاعة محكمة في مدينة بروفيدنس، أن يترك صداه لدى أشخاص يعيشون على بُعد آلاف الكيلومترات. جعلني ذ